موقع اخباري شامل صادر عن مؤسسة تحيا مصر

عندما تصبح العدالة حبرًا على ورق

0

كتب / اشرف اسحاق

في بعض النزاعات الأسرية، لا تنتهي المعركة عند أبواب المحكمة، بل تبدأ مرحلة أخرى أكثر تعقيدًا عند محاولة تنفيذ الحكم. وبين نص قانوني ينظم حق الرؤية، وإجراءات تنفيذ قد تمتد طويلًا، يقف طفل صغير في المنتصف، يدفع من عمره وذكرياته ثمن خلاف لم يكن طرفًا فيه.

القضية هنا ليست الدفاع عن الأب في مواجهة الأم، ولا الانحياز إلى أحد طرفي النزاع، وإنما التوقف أمام خلل يستحق النقاش: ماذا يحدث عندما يصدر حكم قضائي بتنظيم رؤية الطفل، بينما لا تتحول الرؤية إلى ممارسة منتظمة على أرض الواقع؟

من حق قانوني إلى معاناة عملية

الأصل أن الحكم القضائي يضع نهاية للنزاع، لكن في قضايا الرؤية قد يجد أحد الوالدين نفسه أمام فجوة بين صدور الحكم وتنفيذه.

قد تُحدد مواعيد للرؤية، ثم تتعطل بعض المواعيد، وتتكرر حالات عدم التنفيذ، وتمر الأسابيع والشهور بينما يظل الطفل بعيدًا عن أحد والديه.

وفي حالة تستحق التوقف، قد ينتظر أب 17 جمعة لرؤية ابنه، ثم يجد أن التنفيذ لم يتحقق بالصورة المنتظمة التي يفترضها الحكم.

وهنا لا تعود المسألة مجرد خلاف شخصي بين والدين، بل تتحول إلى قضية تتعلق بفاعلية منظومة العدالة نفسها عندما يتعلق الأمر بحقوق الطفل.

أين تكمن مواطن العوار؟

أحد أبرز مواطن الضعف هو أن تنظيم الرؤية لا يكفي وحده لضمان انتظامها؛ فوجود الحكم شيء، وقدرة المنظومة على ضمان تنفيذه بصورة عملية شيء آخر.

كما أن إجراءات التعامل مع حالات الامتناع أو التعطيل قد لا تحقق دائمًا السرعة المطلوبة، وهو ما يجعل الجزاء القانوني، في بعض الحالات، يأتي بعد أن يكون الطفل قد خسر أسابيع أو شهورًا من التواصل.

وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما تتحول الرؤية إلى سلسلة من الإجراءات والإثباتات والمواعيد المتباعدة، فيصبح الحصول على الحق أكثر سهولة نظريًا منه عمليًا.

وهناك جانب آخر لا يقل أهمية: مصلحة الطفل قد تختفي أحيانًا خلف صراع الحقوق بين الكبار.

فالأب يتحدث عن حقه في رؤية ابنه، والأم تتحدث عن حقوقها ومخاوفها، بينما يجب أن يكون الطفل هو مركز المعادلة القانونية والإنسانية.

المشكلة ليست في حق الأب وحده

من الخطأ اختزال القضية في عبارة «حرمان الأب من رؤية ابنه».

فالأثر لا يقع على الأب وحده.

الطفل أيضًا يُحرم من علاقة عاطفية وتربوية قد تكون جزءًا أساسيًا من تكوينه النفسي والاجتماعي، ما لم توجد أسباب قانونية أو قضائية تحول دون ذلك.

وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول الدعوة إلى انتظام الرؤية إلى تجاهل لسلامة الطفل أو لحقوق الحاضن أو لأي اعتبارات تحمي مصلحته.

لذلك فإن المطلوب ليس قانونًا ينتصر للأب على الأم، أو للأم على الأب، وإنما منظومة تنتصر للطفل.

الحل يبدأ من التنفيذ

المعالجة الحقيقية لا تحتاج فقط إلى تعديل النصوص، وإنما إلى إعادة النظر في منظومة تنفيذ أحكام الرؤية بالكامل.

أولًا، يجب أن تكون هناك آلية تنفيذ واضحة وسريعة تضمن تنفيذ الحكم في مواعيده، دون أن يضطر صاحب الحق إلى الدخول في دوائر إجرائية طويلة عند كل واقعة امتناع.

ثانيًا، ينبغي أن تكون هناك وسائل أكثر فاعلية للتعامل مع الامتناع المتكرر عن تنفيذ الحكم، بحيث لا تصبح المخالفة المتكررة بلا أثر عملي.

ثالثًا، يمكن التفكير في نظام إلكتروني موحد لتوثيق مواعيد الرؤية وحالات الحضور وعدم التنفيذ، بما يقلل الخلاف حول الوقائع ويجعل عملية المتابعة أكثر شفافية.

رابعًا، من المهم أن تكون هناك آليات للتدخل المبكر في النزاعات المتكررة، من خلال متخصصين اجتماعيين ونفسيين، قبل أن يتحول الطفل إلى طرف دائم في صراع الوالدين.

خامسًا، يجب أن تُقاس كفاءة منظومة الرؤية بمؤشر واضح: هل يحصل الطفل بالفعل على علاقة منتظمة وآمنة مع والديه وفقًا للحكم والقانون؟

العدالة ليست ورقة

الحكم القضائي لا ينبغي أن يكون نهاية الطريق، وإنما بداية لتنفيذ الحق الذي قررته المحكمة.

فإذا كان القانون يمنح حقًا ثم يعجز الواقع عن ضمان ممارسته في الوقت المناسب، فإن مراجعة آليات التنفيذ تصبح ضرورة وليست ترفًا.

وفي قضايا الأسرة تحديدًا، هناك عامل لا تستطيع المحاكم إعادته إلى أصحابه مهما بلغت قوة أحكامها: الوقت.

فالطفل الذي كان عمره خمس سنوات لن ينتظر حتى يصبح عشر سنوات كي يستعيد سنوات غابت فيها علاقة والده به.

ولهذا فإن تطوير منظومة الرؤية يجب أن ينطلق من قاعدة بسيطة وواضحة:

الخلاف بين الأب والأم يمكن أن يستمر، لكن طفولة الطفل لا يمكن تأجيلها.

إن إصلاح منظومة الرؤية ليس انتصارًا لطرف على آخر؛ بل حماية لطفل يجب ألا يدفع ثمن انفصال والديه.

الرؤية حق، وتنفيذ الحكم واجب، ومصلحة الطفل هي البوصلة التي يجب أن تقود القانون من قاعة المحكمة إلى أرض الواقع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.