موقع اخباري شامل صادر عن مؤسسة تحيا مصر

لماذا تبدأ الوقاية من المخدرات من داخل البيت قبل أي مكان آخر

0

كثير من الأسر تتعامل مع موضوع المخدرات وكأنه خطر بعيد لن يقترب من أبنائها، وهذا بالضبط ما يجعل الأمر أكثر خطورة من أي شيء آخر. المراهق أو الشاب الذي يقع في هذه المشكلة غالبا لا يظهر عليه شيء واضح في البداية، بل تكون هناك تغييرات بسيطة في المزاج أو في طريقة التعامل مع الأهل يمر عليها الجميع دون انتباه. من واقع متابعتي لعدد من القصص العائلية، لاحظت أن الفجوة في الحوار بين الآباء والأبناء هي الأرض الخصبة الأولى التي تنمو فيها هذه المشكلة، أكثر من أي عامل خارجي آخر. وكلما تأخر اكتشاف هذه الفجوة، كلما كان الطريق للتصحيح أطول وأصعب على الجميع.

الجانب الجيد أن هناك اليوم مبادرات جادة تحاول سد هذه الفجوة عبر تقديم معلومات واقعية بدل التخويف المبالغ فيه الذي لا يقنع أحدا، خصوصا في مرحلة عمرية تميل أصلا للتمرد على أي كلام يبدو فوقيا أو مبالغا فيه. من خلال متابعتي لمحتوى مركز علاج الإدمان، لاحظت أن التركيز ينصب على الحوار العملي مع الأسرة والمدرسة معا، بدل الاكتفاء بشعارات عامة لا تصل إلى الأهل بالشكل الصحيح. هذا النوع من المحتوى مهم لأنه يعطي الأهل أدوات حقيقية يستخدمونها في بيوتهم، لا مجرد نصائح نظرية يقرؤونها ثم ينسونها بعد يوم أو يومين. الفرق بين أسرة تعرف كيف تبدأ الحديث وأخرى تتجنبه خوفا من الموضوع نفسه كبير جدا على المدى الطويل.

من أكثر الأشياء التي شدت انتباهي هي حملة التوعية ضد المخدرات التي تستهدف المدارس والمراكز الشبابية مباشرة بدل انتظار وصول الشباب إلى المشكلة أولا. الفكرة هنا أن التوعية المبكرة، حتى قبل سن المراهقة الفعلية، تبني حاجزا نفسيا لدى الطفل يجعله يرفض التجربة من الأساس حين يواجه ضغط الأصدقاء لاحقا. وهذا النوع من العمل يحتاج وقتا طويلا حتى تظهر نتائجه، لكنه أكثر فعالية بكثير من أي رد فعل متأخر بعد وقوع المشكلة. من خلال حضوري لبعض هذه اللقاءات مع أبنائي، لاحظت أن الأسئلة التي يطرحها الأطفال أنفسهم غالبا أعمق بكثير مما يتوقعه الأهل، وأن تجاهل هذه الأسئلة أو تأجيلها يفتح بابا أوسع للفضول غير الموجه لاحقا.

أما إذا كانت المشكلة قد وقعت فعلا، فالخطوة التالية لا تقل أهمية عن الوقاية نفسها، وهي معرفة الطريق الصحيح للتعامل معها دون تشتت أو تسرع في القرارات. الاطلاع على خطة علاج الإدمان قبل اتخاذ أي خطوة يساعد الأسرة على فهم المراحل المطلوبة بشكل واقعي، بدل الانتقال من مركز إلى آخر دون خطة واضحة. كثير من الأسر تضيع وقتا ثمينا في البحث العشوائي بينما الابن أو الابنة في أمس الحاجة لتحرك منظم وسريع، وهذا التشتت وحده قد يزيد من إحساس الابن بالعزلة في وقت هو أحوج فيه للشعور بأن هناك خطة واضحة يسير عليها الجميع معه.

في النهاية، الوعي المبكر والاستعداد لمواجهة المشكلة بهدوء هما ما يفرقان بين أزمة تمر بسلام وأخرى تتفاقم مع الوقت. لا يوجد بيت محصن بشكل كامل من هذا الخطر، لكن هناك فرق كبير بين بيت يمتلك أدوات الحوار والمعرفة المسبقة وبيت يكتشف الأمر بالصدفة بعد فوات وقت طويل. الدور الأهم في كل هذا يبقى دائما للأسرة قبل أي جهة أخرى، فهي أول من يلاحظ التغير وأول من يمكنه التدخل قبل أن تتحول ملاحظة صغيرة إلى مشكلة كبيرة يصعب علاجها لاحقا.

من التجارب التي سمعت عنها من أسر أخرى أن كثيرا من الآباء يخافون من فتح هذا الموضوع مع أبنائهم ظنا منهم أن مجرد الحديث عنه قد يزرع الفكرة في رأس الطفل، وهذا في الحقيقة عكس ما تؤكده الملاحظة الواقعية لمن يعمل في هذا المجال. الصمت هو ما يترك الطفل عرضة لمعلومات مشوشة من مصادر غير موثوقة، بينما الحديث الهادئ والمبني على معلومات صحيحة يمنحه فهما واضحا يحميه بدل أن يعرضه للخطر. الفرق بين الحديث المبكر والصمت الطويل يظهر بوضوح في طريقة تعامل الأبناء مع أي موقف ضغط اجتماعي لاحقا.

في تجربتي مع أسر مررت بها عن قرب، لاحظت أن أفضل النتائج تظهر عندما يتحول الحديث عن هذا الموضوع من محاضرة يلقيها الأب أو الأم إلى حوار حقيقي يسمح فيه الطفل بطرح أسئلته دون خوف من التوبيخ. هذا التحول البسيط في أسلوب الحديث وحده كفيل بتغيير نظرة الابن للموضوع بالكامل، من شيء محرج لا يُذكر إلى موضوع طبيعي يمكن الحديث عنه بصراحة داخل البيت مثل أي موضوع صحي أو تعليمي آخر.

أذكر مرة تحدثت فيها مع أب حاول تجنب الموضوع كليا مع ابنه المراهق ظنا منه أن المدرسة وحدها كفيلة بتغطية هذا الجانب، ثم فوجئ بعد فترة أن ابنه سمع معلومات مغلوطة تماما من أحد زملائه واعتقد أنها صحيحة لعدم وجود مصدر آخر يصحح له. هذه القصة تحديدا غيرت نظرتي لموضوع الصمت داخل البيت، لأنها أثبتت أن الفراغ في المعلومة لا يبقى فراغا، بل يمتلئ بأول مصدر يصل إليه الابن سواء كان دقيقا أو خاطئا تماما.

في النهاية، لا أحد يملك وصفة جاهزة تناسب كل بيت وكل ابن بنفس الطريقة، فكل أسرة تعرف طبيعة أبنائها أكثر من أي جهة خارجية. لكن القاسم المشترك بين كل التجارب الناجحة التي اطلعت عليها هو البدء مبكرا، والاستمرار في الحوار حتى بعد أول مرة، لا الاكتفاء بجلسة واحدة ثم اعتبار الموضوع منتهيا. الوقاية عملية مستمرة وليست حدثا يحدث مرة واحدة وينتهي.

من الملاحظات الإضافية التي أراها مهمة أن المدرسة والبيت يجب أن يعملا معا لا كل جهة بمعزل عن الأخرى، فبعض الأسر تعتقد أن التوعية مسؤولية المدرسة وحدها، بينما بعض المدارس تفترض أن هذا الجانب يقع على عاتق الأسرة بالكامل. هذا التنازع غير المعلن حول المسؤولية غالبا ما ينتج عنه فراغ حقيقي في التوعية يقع الابن ضحية له دون أن يقصد أحد ذلك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.