كتبت / ابتسام مصطفى
لم تعد الجريمة في مجتمعنا مجرد عابر سبيل يمر من أمامنا ثم يختفي ؛ بل أصبحت تطرق أبواب البيوت ، وتحتل مساحة واسعة من أحاديثنا اليومية. قتل، وسرقة، وعنف، واعتداءات أسرية، ومشاجرات تبدأ بكلمة وتنتهي بجنازة.
لكن الأخطر من الجريمة نفسها أن نعتاد عليها، وأن تتحول أخبار الدم إلى مجرد أرقام، وأن يصبح العنف لغة يتقنها البعض حين تعجز الكلمات.
وهنا يبرز السؤال الأصعب : هل تبدأ الجريمة لحظة سقوط الضحية؟ أم أن تلك اللحظة ليست سوى آخر حجر في بناء شُيّد بصمت ، حتى انهار فجأة فوق رؤوس الجميع؟
الحقيقة أن الجريمة في كثير من الأحيان تسبقها مقدمات طويلة : غضب يتراكم كالماء خلف سد ، استفزاز يختبر حدود الصبر ، ضغوط اجتماعية واقتصادية تخنق الإنسان ، وتفكك أسري يترك النفوس بلا بوصلة ، وثقافة مشوهه تجعل الانتقام أحيانًا عنوانًا للكرامة.ثم تأتي بعد ذلك لحظة الانفجار و نجد انفسنا امام جريمة
فننظر إلى المشهد فنرى جانيًا وضحية ، لكن إذا أعدنا الشريط إلى الوراء، سنجد قصة أكثر تعقيدًا ؛ قصة لم يصنعها طرف واحد، وإن كان الجانى هو من اتخذ القرار الأخير بارتكاب الجريمة.
و لكن المجني عليه ليس دائمًا بريئًا من كل ما سبق الجريمة . فهناك حالات يكون فيها المجني عليه قد ساهم ، في إشعال الفتيل
إذا أردنا إطفاء الحريق، فلا يكفي أن نبحث عمن حمل عود الثقاب؛ علينا أن نسأل: من أين جاءت الشرارة؟ ولماذا كانت الأرض مهيأة للاشتعال
لأن الجريمة أحيانًا مثل جبل الجليد ؛ ما نراه لحظة وقوعها ليس إلا القمة ، بينما تختبئ تحت السطح سنوات من الغضب والصراعات والتراكمات.
ولهذا لا تكفي معاقبة الجاني بعد وقوع الجريمة؛ بل يجب أن نبحث في الأسرة والمدرسة والإعلام والشارع ومواقع التواصل عن أسباب تطبيع العنف وفقدان لغة الحوار.
عقاب المجرم يعالج جريمة وقعت، لكن فهم الطريق الذي قاد إليها قد يمنع جريمة لم تقع بعد.
نريد أن نفهم الجاني والضحية والظروف والشرارة الأولى؛ لأن الجريمة قد تبدأ بكلمة صغيرة، ثم تتحول الكلمة إلى نار و حمم تهلك الجميع
وإذا أردنا أن نواجه هذا النزيف، فعلينا أن نبحث عن الجرح لا عن الدم فقط ؛ أسرة تستعيد دورها ، ومدرسة تعلّم الحوار قبل العقاب ، وإعلام لا يجعل من دماء الضحايا خشبةَ مسرح ، ومن الجريمة عرضًا جماهيريًا تتسابق العيون لمشاهدته ، ومجتمع يواجه الإدمان بدل أن يتجاهله، وقانون يُطبّق بعدل وسرعة، وفرص عمل تحفظ للإنسان كرامته، وخطاب ديني وثقافي يعيد للرحمة مكانتها، ومواقع تواصل لا تجعل العنف بطولة ولا الانتقام ترندًا.
نحتاج إلى تربية تُعلّم ضبط الغضب، وثقافة تُعيد الاعتذار من خانة الضعف إلى خانة القوة، ومؤسسات تلتقط إشارات الخطر قبل أن تتحول إلى كوارث؛ لأن الوقاية من الجريمة لا تبدأ بعد سقوط الضحية، وإنما تبدأ من إصلاح البيئة التي صنعت الشرارة قبل أن تتحول إلى حريق.