موقع اخباري شامل صادر عن مؤسسة تحيا مصر

قبل ان ينفذ رصيد صبر المواطن !!

0

كتبت / ابتسام مصطفى 

بعد أكثر من عقد، لم تعد مصر تحتمل رفاهية الحديث عن «مسار جاد» وكأننا ما زلنا نقف على عتبة الطريق نبحث عن بوصلته . لقد طال زمن التجربة بما يكفي، وتراكمت القرارات والفواتير والوعود

المسألة لم تعد في غياب الرؤية، وإنما في ثمن الرؤية : من يدفع ؟ ومن يحاسب ؟ ومن يتحمل نتيجة القرارات التي لم تصب أهدافها ؟

المواطن دفع بالفعل. دفع من دخله ومدخراته وقوته الشرائية وتعليم أبنائه وقدرته على العلاج والسكن.

وما زال يطلب منه المزيد من الصبر وكأن الصبر أصبح موردا اقتصاديا يضاف إلى الموازنة

المشكلة ليست فقط في الضغوط الخارجية ؛ فكل دولة لديها خصوم ومصالح متعارضة . المشكلة الأخطر أن تترك الدولة أزمات داخلية يمكن أن تتحول إلى بيئة خصبة للاحتقان . فالأمن القومى الداخلى لا يبني فقط بالسيطرة على الشارع و تكميم الافواه وإنما بإغلاق أبواب اليأس قبل أن يستغلها أحد كما حدث فى 2011 .

لا يمكن اختزال أزمة المعيشة في سؤال : هل الطعام والشراب أهم ؟ بالطبع هما أهم .المواطن الذي لا يستطيع توفير غذاء مناسب أو علاج أو تعليم لأبنائه لن تقنعه عشرات المؤتمرات بحجم الإنجازات . القوة الشرائية هي الاختبار الحقيقي لأي زيادة في الأجور ، والدعم الاجتماعي ليس منّة و لا صدقة ، والتعليم والصحة ليسا رفاهية يمكن تأجيلهما إلى أن تتحسن الظروف .

الدولة التي تريد اقتصادا قويًا لا يمكن أن تسمح بأن يصبح التعليم الجيد امتيازًا لمن يملك المال ، ولا أن يصبح العلاج معركة يومية . فمن يهمل الإنسان ثم يبحث عن نهضة اقتصادية ، يشبه من يبني مصنعًا بلا عمال .

والاستشهاد بتجارب دول مثل الصين لا يصلح ذريعة لطلب التضحية المفتوحة. الصين لم تبنِ قوتها بالصبر وحده، وإنما بالإنتاج والتصنيع والتصدير وخلق فرص العمل والاستثمار في الإنسان. الصبر لا يصنع مصنعًا، ولا ينتج دولارًا، ولا يسدد دينًا. الإنتاج هو الذي يفعل ذلك.

وفي ملف اللاجئين، لا مكان للمزايدة الإنسانية ولا للكراهية. مصر لها التزامات إنسانية، لكن لها أيضًا موارد محدودة ومواطنون لهم حقوق. المطلوب سياسة معلنة تحسب التكلفة الحقيقية على التعليم والصحة والمرافق وسوق العمل، وتقارنها بالدعم الدولي، بدل أن يظل الملف بين الإنكار والمزايدات.

أما الفساد، فلا يُحارب بالخطب. الدولة التي تريد مكافحة الفساد عليها أن تجعل القرار العام قابلًا للمراجعة، والعقد العام قابلًا للتدقيق، والمشروع الفاشل قابلًا للمحاسبة، والمسؤول عن القرار مسؤولًا عن نتيجته. لا إصلاح اقتصادي بلا محاسبة اقتصادية.

والأخطر من كل ذلك هو النظر إلى المواطن باعتباره المشكلة. المواطن الذي يسأل عن الأسعار ليس جاهلًا، والذي يسأل عن الدين العام ليس معاديًا للدولة، والذي يطالب بتعليم محترم وعلاج متاح لا يهدد الأمن القومي.

بل إن النقد الصريح قد يكون أحيانًا أحد أشكال حماية الدولة.

الشعب المصري تحمل كثيرًا، وساند الدولة في لحظات شديدة الصعوبة، وتحمل سنوات من الإجراءات القاسية على أمل أن يأتي المقابل. لذلك فإن استمرار مطالبة المواطن بالصبر دون نتائج ملموسة يحول الصبر من فضيلة إلى عبء.

المسار الجاد لا يبدأ بمؤتمر جديد، ولا بكتيب إنجازات، ولا بحملة إعلامية. يبدأ بقرارات توقف الهدر، وتراجع المشروعات غير المجدية، وتضبط الاقتراض، وتحمي القوة الشرائية، وتعيد الاعتبار للتعليم والصحة والإنتاج، وتربط السلطة بالمسؤولية والمساءلة.

لأن المواطن لا يريد أن يسمع أن المستقبل أفضل.

يريد أن يعرف لماذا يجب أن يصبر و يتحمل 

وهنا تحديدًا تكمن المعركة الحقيقية: ليست معركة إقناع الشعب بأنه لا يفهم، وإنما معركة إثبات أن الدولة فهمت أخطاءها.

فالشعب يرى ويدفع ويصبر.

و لكن السؤال الأصعب: هل تستطيع الدولة أن تصلح المسار  قبل أن ينفذ رصيد الصبر؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.