كتبت / ابتسام مصطفى
ما جرى في مداخلة مصطفى بكري مع عمرو أديب مساء أمس ليس مجرد سجال تلفزيوني عابر ، بل مشهد كاشف لأزمة إعلامية أكبر ؛ أزمة خطاب يصر على الدوران في الحلقة نفسها، ويعيد إنتاج المشاهد ذاتها، وكأن السنوات الخمسة عشرة الماضية لم تترك أثرًا في عقول المصريين أو ذاكرتهم.
المشكلة أن بعض من يتصدرون المشهد الإعلامي ما زالوا يخاطبون الناس بعقلية الوصاية ، ويستخدمون قاموسًا سياسيًا استُهلك حتى فقد قدرته على الإقناع، متجاهلين أن المواطن الذي عاش كل هذه التحولات لم يعد ذلك المتلقي الذي ينتظر من الشاشة أن ترسم له الحقيقة أو تحدد له كيف يفكر.
خمسه عشر عامًا من الأحداث السياسية والصدمات الاقتصادية وتبدل المواقف وتضارب التصريحات كانت كفيلة بأن تصنع مواطنًا أكثر قدرة على المقارنة وأكثر انتباهًا للتناقضات وأقل استعدادًا لابتلاع الخطابات جاهزة التحضير
لقد شاهد المصريون مواقف تتبدل وشخصيات تغير مواقعها ووعودًا تصطدم بالواقع وروايات تتغير بتغير اللحظة. فكيف يُطلب منهم اليوم التعامل مع كل مشهد وكأنه يُعرض للمرة الأولى؟
الأزمة ليست في أن الناس لم تعد تسمع، بل في أن بعض الخطاب لم يعد يعرف كيف يُقنع.
والأخطر أن الإصرار على هذه الوصفات القديمة قد يصنع أثرًا معاكسًا تمامًا؛ فبدلًا من حشد التأييد، يتولد النفور ، وبدلًا من ترسيخ الثقة، تتسع مساحة الشك. وهنا لا تكون المشكلة في اختلاف الجمهور مع الرسالة، بل في فقدان الرسالة قدرتها على الوصول من الأساس.
ولذلك فإن المطلوب ليس مجرد تغيير أسماء على الشاشات، ولا تبادل المقاعد بين الوجوه المعتادة، وإنما ثورة في التفكير الإعلامي نفسه؛ مراجعة للأدوات، وتحديث للخطاب، وفتح المجال أمام كفاءات جديدة تفهم لغة العصر وتدرك أن التأثير لم يعد حكرًا على ميكروفون أو استوديو.
الدفاع عن الدولة لا يعني تزييف الواقع، والوطنية ليست مرادفًا للتصفيق، وبناء الثقة لا يتحقق برفع الصوت أو تكرار الرسائل ذاتها. بل يبدأ بالصدق، والشفافية، والقدرة على الإجابة عن الأسئلة الصعبة دون التفاف أو وصاية.
الإعلام الذي لا يراجع نفسه يتحول تدريجيًا إلى عبء على الرسالة التي يريد الدفاع عنها.
والسؤال الذي يجب أن يواجهه القائمون على المشهد الإعلامي الآن:
هل نريد إعلامًا يصنع وعيًا ويكسب ثقة الناس، أم إعلامًا يكرر الخطاب نفسه وينتظر من الناس أن يصفقوا في كل مرة؟ الاجابة : نريد اعلاما يصنع وعى و يبنى فكر و يحترم عقل المواطن ..
كفى استدعاءً لأساليب استهلكها الزمن.. لا تحاولوا إقناع جيل كامل بأدوات خطاب انتهت صلاحيتها!