كتبت هدى العيسوى
عندما نتحدث عن مهندس برمجيات، غالبًا ما تتجه الصورة مباشرة إلى الحاسوب والكود والأنظمة وقواعد البيانات. لكن جانبًا مختلفًا من تجربة المهندس حيدر إبراهيم أحمد بخيت في كندا لا يبدأ أمام شاشة، وإنما يبدأ غالبًا من شخص يحتاج إلى أن يفهم ما يقال له، أو مستند يحتاج إلى ترجمة، أو مهاجر جديد يحاول التعرف إلى الخدمات الموجودة حوله.
فمنذ يوليو 2024، يشارك حيدر بصورة تطوعية مع Edmonton Immigrant Services Association في إدمونتون، في مجال الترجمة المجتمعية وخدمات الاستقرار للقادمين الجدد. ويختلف هذا الدور ظاهريًا عن مسيرته في هندسة البرمجيات والتحول الرقمي، لكنه يكشف جانبًا آخر من العلاقة التي يمكن أن تربط الخبرة المهنية بخدمة المجتمع.
يتضمن نشاطه التطوعي الترجمة الشفوية وترجمة المستندات وتقديم المساعدة في التوجيه المجتمعي للمهاجرين والقادمين الجدد، بما يساعدهم في الوصول إلى خدمات اجتماعية وتعليمية ومجتمعية مختلفة. كما يتطلب الدور التعاون مع العاملين والمنسقين لتقديم المساعدة بطريقة تراعي الخلفيات الثقافية للأشخاص المستفيدين من الخدمة.
بالنسبة لشخص وصل حديثًا إلى بلد جديد، قد تكون اللغة أول حاجز يواجهه، لكنها ليست الحاجز الوحيد. هناك أنظمة جديدة، ومؤسسات لا يعرفها، وإجراءات تختلف عما اعتاد عليه، ومصطلحات قد تكون واضحة لمن عاش سنوات في المجتمع لكنها مربكة لشخص ما زال يحاول فهم البيئة المحيطة به.
هنا تصبح الترجمة أكثر من مجرد نقل كلمات من لغة إلى أخرى. فالترجمة المجتمعية تتطلب فهم السياق، والاستماع بدقة، ونقل المعلومات دون تغيير معناها، والتعامل مع أشخاص تختلف خلفياتهم وتجاربهم وظروفهم. وفي كثير من الحالات، يكون دور المترجم هو جعل التواصل ممكنًا في موقف يشعر فيه الشخص أصلًا بعدم اليقين.
هذه التجربة التطوعية تبدو مختلفة عن البرمجيات، لكنها تلتقي معها في فكرة إزالة العوائق. فالمهندس يحاول أن يحول العمليات المعقدة إلى نظام يمكن استخدامه، بينما يساعد المترجم على تحويل لغة أو إجراء معقد إلى معلومات يمكن فهمها. في الحالتين هناك شخص في الطرف الآخر يحتاج إلى الوصول إلى نتيجة واضحة.
والعمل المجتمعي عند حيدر لم يبدأ بالضرورة مع وصوله إلى كندا. ففي السودان كان التدريب ونقل المعرفة جزءًا من تجربته في المركز القومي للبحوث، حيث قدم برامج تقنية لخريجين جدد وورشًا للعاملين والباحثين حول استخدام الأدوات الرقمية والمنصات التقنية.
إذا كان التدريب في تلك المرحلة يهدف إلى تقليل الفجوة بين الشخص والتكنولوجيا، فإن العمل التطوعي في كندا يتعامل مع فجوة مختلفة: الفجوة بين الشخص والمعلومة أو الخدمة بسبب اللغة أو عدم المعرفة بالنظام الجديد. وفي الحالتين توجد فكرة متشابهة: امتلاك المعرفة يتيح لصاحبها فرصة تسهيل الطريق أمام شخص آخر.
هذا يطرح سؤالًا أوسع عن دور أصحاب التخصصات التقنية داخل مجتمعاتهم. فالمهندس لا يعيش داخل بيئة تقنية منفصلة عن الناس. والمهارات التي يكتسبها خلال سنوات العمل، مثل تحليل المشكلة، والاستماع إلى المتطلبات، وتبسيط المفاهيم المعقدة، والبحث عن الحلول، يمكن أن تكون مفيدة خارج مجال البرمجيات أيضًا.
بالنسبة لحيدر، أصبحت كندا محطة يلتقي فيها هذا الجانب المجتمعي مع اهتمام أكاديمي وتقني مستمر. فهو يحمل خلفية في هندسة البرمجيات، وواصل دراساته العليا في هندسة البرمجيات مع تركيز على هندسة الذكاء الاصطناعي، كما امتد اهتمامه إلى الطب الرقمي ودراسة العلاقة بين التكنولوجيا والتواصل الإنساني في الرعاية الصحية.
هذه النقطة الأخيرة تحمل دلالة خاصة. ففي البحث حول الطب الرقمي، تظهر أسئلة عن الثقة والتواصل والتعاطف والعلاقة بين الطبيب والمريض عندما تدخل التكنولوجيا بينهما. وفي العمل التطوعي، تظهر الأسئلة نفسها تقريبًا بصورة مختلفة: كيف ننقل المعلومة دون أن نفقد معناها؟ وكيف نساعد الإنسان على الوصول إلى الخدمة دون أن يشعر أنه تائه داخل نظام لا يفهمه؟
ورغم اختلاف المجالين، يظل الإنسان في مركز السؤال.
وتقدم تجربة التطوع أيضًا صورة مختلفة عن مفهوم الاندماج في المجتمع الجديد. فالاندماج لا يعني فقط أن يحصل الشخص على خدمة أو وظيفة أو دراسة، وإنما يمكن أن يعني أيضًا أن يتحول تدريجيًا من شخص يتعرف إلى المجتمع إلى شخص يساهم فيه. ومن خلال التطوع، يصبح الوقت والخبرة واللغة موارد يمكن تقديمها للآخرين.
ولا يحتاج هذا النوع من العمل إلى عناوين كبيرة حتى يكون له معنى. قد تكون المساهمة في بعض الأحيان مساعدة شخص على فهم مستند، أو تسهيل التواصل خلال موقف يحتاج إلى ترجمة، أو توجيه شخص إلى خدمة لم يكن يعرف كيفية الوصول إليها. هذه الأعمال الصغيرة في حجمها قد تكون كبيرة بالنسبة للشخص الموجود في الطرف الآخر.
ومن اللافت أن المسار المهني لحيدر، رغم تنوعه، يحتوي على فكرة متكررة تتعلق بتسهيل الوصول. في المركز القومي للبحوث كان العمل على مستودع رقمي يساعد على تنظيم الوصول إلى المعرفة العلمية. وفي التدريب كان الهدف مساعدة الآخرين على الوصول إلى المهارات. وفي هندسة الحلول كانت المهمة تحويل احتياجات المؤسسة إلى نظام قابل للاستخدام. وفي العمل التطوعي أصبحت المهمة أكثر مباشرة: مساعدة شخص على الوصول إلى المعلومة أو الخدمة.
من هذه الزاوية، لا تبدو تجربة التطوع في كندا فصلًا منفصلًا عن بقية الرحلة. إنها أبسط أشكال الفكرة التي بدأت مع التكنولوجيا: هناك مشكلة أو حاجز، وهناك شخص يستطيع أن يساهم بما يعرفه في تقليله.
ويمكن النظر إلى العمل التطوعي أيضًا باعتباره مساحة تعلم. فالتعامل مع أشخاص من خلفيات مختلفة يوسع الفهم الثقافي، ويزيد الحساسية تجاه طريقة تقديم المعلومة، ويضع الإنسان أمام مواقف لا توفرها الوظائف التقنية المعتادة. ومن يعمل في تصميم الأنظمة والخدمات يحتاج أصلًا إلى هذا النوع من الفهم إذا كان يريد بناء حلول مناسبة لمستخدمين حقيقيين.
وفي عالم يحتفي عادة بالإنجازات التقنية الكبيرة، تذكر مثل هذه التجارب بأن قيمة المعرفة لا تقاس فقط بحجم المشروع الذي يستطيع صاحبه بناءه، وإنما كذلك بمدى استعداده لاستخدام جزء منها في خدمة الآخرين عندما تكون هناك حاجة حقيقية إليها.
وهكذا، يضيف العمل التطوعي في إدمونتون إلى مسيرة حيدر بعدًا لا تلخصه الشهادات أو المسميات الوظيفية. إنه يربط التكنولوجيا والعمل المهني بمفهوم أبسط وأكثر إنسانية: أن الخبرة تصبح أكثر قيمة عندما يمكن أن تساعد شخصًا على فهم العالم من حوله، والوصول إلى خدمة يحتاجها، والبدء بخطوة أكثر ثقة في مجتمع جديد.