ياسر عامر يكتب …..الحكم المتهم… والضمير الذي لا يراه أحد!
بعد الجدل الذي أعقب مباراة مصر والأرجنتين، في نونديال 2026 وما تردد على مواقع التواصل من اتهامات لحكم المباراة بالرشوة والانحياز، تحولت مواقع التواصل إلى محكمة كبرى، وأصبح الجميع فجأة خبراء في النزاهة والعدالة والتحكيم.
ولا بأس… فمن حق الناس أن تغضب إذا شعرت بالظلم.
لكن السؤال الذي ظل يطاردني: لماذا نستدعي ضميرنا فقط عندما يتعلق الأمر بمباراة كرة قدم؟
لماذا يصبح العدل قضية مصيرية في تسعين دقيقة، ثم يتحول إلى وجهة نظر في حياتنا اليومية؟
كم واحدًا صرخ مطالبًا بمعاقبة الحكم، ثم في صباح اليوم التالي بدأ يبحث عن “واسطة” لتعيين ابنه، أو “معرفة” لإنهاء مصلحة، أو “إكرامية” لتسهيل إجراء؟
كم أبٍ غضب من الحكم، لكنه لم يغضب عندما سعى لتوصيل الإجابة إلى ابنه داخل لجنة امتحان، أو دافع عن الغش بحجة أن “كل الناس بتغش”، أو اعتدى على معلم لأنه رفض تمرير الغش وأصر على أن يأخذ كل طالب حقه؟
أليس هذا تحكيمًا أيضًا… ولكن ضد مستقبل وطن كامل؟
وكم واحد يطالب بالعدالة الرياضية، بينما أخته ما زالت تنتظر ميراثها منذ سنوات؟ وكم يتحدث عن النزاهة وهو يأكل مال يتيم، أو يماطل في سداد حقوق الناس، أو يشهد زورًا إذا اقتضت مصلحته؟
ثم نذهب إلى السوق…
نقرأ كل أسبوع تقريبًا عن ضبطيات للغش التجاري والغذائي، ومنتجات غير مطابقة للمواصفات، ومواد محظورة تُستخدم في بعض حالات الغش لتحقيق مكاسب سريعة، ومع ذلك لا نرى نفس الغضب الذي رأيناه بسبب قرار تحكيمي.
وسرقة خدمة الواي فاي عند البعض ليست سرقة، بل “الراوتر مفتوح”. واحتكار السلع ليس جشعًا، بل “تجارة”. والرشوة ليست رشوة، بل “تمشية حال”. والغش ليس جريمة، بل “شطارة”. وحتى الكلمات غيّرنا أسماءها حتى لا نشعر بوخز الضمير.
ثم نذهب إلى المسجد، نقف في صفوف منتظمة، ونسمع الإمام يقول: “استقيموا… يرحمني ويرحمكم الله.” نستقيم في الصف لدقائق، ثم نخرج فلا تستقيم أخلاقنا ولا تعاملاتنا. نستقيم في الصلاة، لكننا لا نستقيم في السوق، ولا في الميراث، ولا في العمل، ولا في الامتحانات، ولا في رد الأمانات. نرجو رحمة الله، بينما نفعل كل ما يحرمنا من أسبابها.
المفارقة المضحكة أن بعضنا يريد حكمًا لا يخطئ أبدًا في الملعب، بينما لا يجد أي مشكلة في أن يخطئ هو كل يوم خارج الملعب.
نريد من الحكم أن يكون ملاكًا… بينما نقبل لأنفسنا ما لا نقبله منه.
الحكم إذا أخطأ، فقد يغيّر نتيجة مباراة.
أما نحن، فأخطاؤنا قد تفسد تعليمًا، أو تضيع ميراثًا، أو تهدم أسرة، أو تضر بصحة إنسان، أو تنشر الظلم بين الناس.
الكرة في النهاية لعبة… جميلة نعم، لكنها تظل لعبة. أما الحياة فهي الامتحان الحقيقي.
فإذا كنا سنحاكم حكم مباراة على قرار في تسعين دقيقة، فمن يحاكم ضمائرنا على قرارات اتخذناها طوال سنوات؟
القضية ليست دفاعًا عن حكم، ولا تبريرًا لخطأ، إن وُجد. القضية أننا لا نستطيع أن نبني مجتمعًا يرفض الظلم في الملعب، بينما يتسامح معه في البيت، وفي المدرسة، وفي السوق، وفي الميراث، وفي الوظيفة، وفي كل تفاصيل الحياة.
قبل أن نهتف: “الحكم باع المباراة”…
فلنسأل أنفسنا سؤالًا أصعب بكثير:
كم مرة بعنا نحن ضمائرنا من أجل مصلحة صغيرة؟
يوم نجد إجابة صادقة عن هذا السؤال… ربما سنكتشف أن المشكلة لم تكن يومًا في حكم مباراة، وإنما في حكم الضمير.