موقع اخباري شامل صادر عن مؤسسة تحيا مصر

د. نادر الصيرفي المحامي: الطلاق المدني قد ينسف ملف الزواج الثاني بالكامل

0

 

كتبت هدى العيسوى

 

تغيير الملة… ما لها وما عليها

 

 

المقصود بتغيير الملة هو المعنى الواسع الذي يشمل تغيير الطائفة أو المذهب، بل وقد يمتد إلى تغيير الدين ذاته. وقد ذهبت محكمة النقض في أحد أحكامها الشهيرة إلى التوصية بعدم الاعتداد بتغيير الملة أو الطائفة كوسيلة للتحلل من أحكام الزواج المسيحي، ما لم يكن التغيير إلى الإسلام، باعتبار أن تغيير الطائفة لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للتحايل على قواعد الأحوال الشخصية أو التلاعب بالقانون الواجب التطبيق.

 

 

ومن البديهي أن القانون المسيحي الخاص لا يسمح أصلًا بتغيير الملة كسبب للطلاق، خاصة في ظل المادة الثالثة من مواد الإصدار. ولذلك فإن الحل الحقيقي لا يكون بمحاربة تغيير الملة أو تجريم آثاره، وإنما بتوحيد القواعد الموضوعية للطلاق بين جميع الطوائف، بحيث يصبح تغيير الملة أو المذهب – باعتباره من صور حرية العقيدة – غير منتج لأثر تلقائي، لأن القواعد ستكون واحدة للجميع.

 

 

أما التمسك بقاعدة “شريعة العقد” فلن يغلق باب تغيير الدين كما يتصور البعض، لأنها لا تُطبق إلا على المسيحيين، بينما إذا أسلم أحد الزوجين أصبحت الشريعة الإسلامية واجبة التطبيق على طرفي العلاقة وفقًا للمادة 10 مدني. ومن ثم يصبح من غيّر دينه في مركز قانوني أفضل من المسيحي المتمسك بدينه، وهو ما يخلق خللًا تشريعيًا واضحًا ويشجع بصورة غير مباشرة على تغيير الدين لا العكس.

 

 

وتثور هنا مسألة خطيرة لم تُحسم قضائيًا بصورة نهائية بعد، وهي: إذا تمسك الزوج الذي أسلم بزوجته المسيحية، فهل يجوز لها طلب الخلع؟ قد يقال إن الخلع يتعارض مع قاعدة “شريعة العقد”، كما أنها لن تستطيع طلب الطلاق لتغيير الدين لأن القانون المسيحي لم يعد واجب التطبيق بعد إسلام الزوج. وهنا يظهر حجم الفراغ التشريعي المتوقع بعد صدور القانون.

 

 

ولهذا كان “تغيير الملة” هو المخرج الرسمي الذي اعتمدته الكنيسة الأرثوذكسية عمليًا عبر بروتوكول التعاون مع الكنيسة السريانية باعتباره مخرجًا مدنيًا للطلاق، بعد أن أغلقت الكنيسة بنفسها لائحة 1938 وعدّلتها رغم تحذيرات القانونيين من النتائج المستقبلية لتقييد أسباب الطلاق.

 

 

وما يُسوَّق اليوم عن أن مشروع القانون الجديد “سيحل أزمة الأسر المسيحية” هو ذات الخطاب الذي رُوِّج به لتعديلات 2008، ثم أثبت الواقع عكس ذلك. فما زالت يد الهواة – لا المحترفين والمتخصصين – تتحكم في مصير الأسر المسيحية.

 

 

فالطلاق المدني بصورته المطروحة سيقيد الكنيسة نفسها في مسألة التصريح بالزواج الثاني، طالما أنها ما زالت تتمسك بقاعدة “لا طلاق إلا لعلة الزنا”. فكيف يُثبت الزنا بعد صدور حكم بالطلاق المدني وزوال صفة الزوجية؟!

 

 

قديمًا كانت الأحكام تصدر وفق الشريعة الإسلامية، ولذلك كانت سلطة الكنيسة التقديرية في التصريح بالزواج واسعة ومطلقة. أما اليوم، فإذا خسر أحد الزوجين دعوى الطلاق المدني – وهو أمر طبيعي لأن ليس كل الدعاوى تُقبل – فإن الحكم يحوز حجية الأمر المقضي بما يمنع إعادة عرض النزاع مرة أخرى على القضاء، بينما لم يعد هناك “تغيير ملة” لا إلى السريان ولا غيرها. وهنا تقترب الأزمة الحقيقية لا محالة.

 

 

أما الحديث عن “تجارة شهادات تغيير الملة” فهو قلب للحقائق؛ لأن السبب الحقيقي هو وجود طائفة أغلقت الطلاق، وطائفة أخرى استغلت هذا الفراغ القانوني. والمحامي لا يصنع الأزمة، بل يحاول إنقاذ موكله بذات الوسيلة التي اعتمدتها الكنيسة نفسها لسد عجز قوانينها، لا شريعتها.

 

 

بل إن الكنيسة نفسها – قبل بروتوكول التعاون – كانت توصي أحيانًا بتغيير الملة قبل اللجوء إلى المجلس الإكليريكي.

 

 

ولا محل للمغالطة أو قلب الحقائق؛ فإذا كان القانون المسيحي الحالي يحقق حلولًا عادلة وكافية للطلاق، فلماذا يلجأ طالب الطلاق أصلًا إلى تغيير الملة أو الدين؟

 

 

الحل الحقيقي ليس في التلاعب بالتكييف القانوني أو إغلاق المخارج المدنية، وإنما في وضع قواعد موضوعية موحدة وكافية بذاتها للحصول على الطلاق، مع بقاء سلطة الكنيسة الكاملة في التصريح بالزواج وفقًا لشريعتها، سواء أُفرغت هذه الشريعة في القانون أو في لائحة داخلية مستقلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.