المحامي الكبير الدكتور نادر الصيرفي ينسف مشروع قانون الأسرة المسيحية: القانون يفتقد العمومية والتجريد
كتبت هدى العيسوى
في مداخلة قانونية ودستورية قوية أمام المجلس القومي لحقوق الإنسان، فجّر الدكتور/ نادر الصيرفي — المحامي بالاستئناف ودكتور القانون الخاص وعضو اتحاد المحامين العرب — سلسلة من الانتقادات الحادة لمشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، مؤكدًا أن المشروع بصيغته الحالية “يمثل تراجعًا تشريعيًا خطيرًا ويصطدم بشكل مباشر مع الدستور المصري ومبادئ المساواة وسيادة القانون”.
وأكد الصيرفي أن المادة الثالثة من دستور 2014 تحدثت عن “مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين” بصيغة جامعة، ولم تنص مطلقًا على إنشاء قوانين مختلفة لكل طائفة أو ملة، مشددًا على أن المشروع الحالي أعاد تكريس الانقسام الطائفي داخل النص التشريعي ذاته، بدلًا من توحيد القواعد القانونية للمسيحيين المصريين.
وأوضح أن المشروع لا يقدم قانونًا موحدًا للأسرة المسيحية، بل يجمع داخل إطار واحد لوائح كنسية متعارضة، تختلف فيها أسباب الطلاق والتطليق والبطلان والانحلال المدني بحسب الانتماء الطائفي، بما يؤدي إلى تفاوت الحقوق القانونية بين المواطنين المسيحيين بالمخالفة للمادة 53 من الدستور الخاصة بالمساواة بين المواطنين.
وقال الدكتور نادر الصيرفي إن المشروع “يفتقد خصائص القانون الحقيقي من حيث العمومية والتجريد”، معتبرًا أن المشرع “انحاز لرغبات ست طوائف على حساب مصلحة الأسرة المسيحية المصرية”، بدلًا من استخلاص مبادئ عامة موحدة تحقق العدالة والاستقرار المجتمعي.
وانتقد الصيرفي ما وصفه بـ”الفوضى التشريعية” داخل المشروع، مشيرًا إلى أن بعض الطوائف تسمح بأسباب متعددة للطلاق، بينما تمنعها طوائف أخرى بصورة شبه مطلقة، وهو ما يجعل مصير الأسرة المسيحية مرتبطًا بالطائفة وليس بالقانون، ويخلق تمييزًا قانونيًا واضحًا بين مواطنين يخضعون لذات الدستور.
كما هاجم فكرة “الانحلال المدني” الواردة بالمشروع، معتبرًا أنها محاولة للالتفاف على أزمة الطلاق دون وضع حلول تشريعية واضحة، خاصة فيما يتعلق بالزواج الثاني والتصريح الكنسي، الأمر الذي يهدد — بحسب الدراسة — بخلق صدامات قانونية ودستورية مستقبلية بين أحكام القضاء والقرارات الكنسية.
وأكد الدكتور نادر الصيرفي خلال كلمته أن “المبدأ الشرعي الحقيقي هو المبدأ المتفق عليه، أما كل ما هو محل خلاف بين الطوائف فلا يجوز اعتباره مبدأ دستوريًا ملزمًا”، مطالبًا المشرع بالتدخل لتبني المبادئ الأكثر مرونة واتساعًا، بما يغطي المشكلات الواقعية للأسرة المسيحية ويحمي حقوق المواطنين دون تمييز.
وفي ختام مداخلته، أوصى الدكتور نادر الصيرفي بسحب مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين من اللجنة المشتركة بمجلس النواب، وإعادته إلى وزارة العدل لإعادة صياغته بصورة دستورية وقانونية منضبطة، مع تأجيل مناقشته لحين حسم التفسير الدستوري للمادة الثالثة من الدستور، بما يضمن عدم الإخلال بمبدأي المساواة ووحدة المركز القانوني للمواطنين المسيحيين.
كما طالب بضرورة توحيد أسباب الطلاق والتطليق للمسيحيين جميعًا، استنادًا إلى المبادئ الأكثر مرونة واتساعًا المطبقة لدى بعض الطوائف، بدلًا من تكريس الانقسام الطائفي داخل القانون الواحد، مؤكدًا أن المشرع لا يجوز أن يترك الحقوق الأسرية رهينة لاختلاف اللوائح الكنسية.
ودعا الصيرفي إلى أن تتولى وزارة العدل بنفسها إعداد وصياغة مشروع القانون، باعتبار أن التشريع اختصاص أصيل للدولة المدنية، وليس لرجال الدين أو المرجعيات الطائفية، مع تشكيل لجنة حقيقية من كبار فقهاء القانون والمتخصصين في الأحوال الشخصية، إلى جانب عقد جلسات استماع وحوار مجتمعي واسع يشارك فيه المتضررون ومنظمات المجتمع المدني والخبراء الدستوريون.
كما أوصى بإلغاء فكرة “الانحلال المدني” بصيغتها الحالية، واعتبار الهجر سببًا دينيًا مشروعًا للتطليق، أسوة بما هو مقرر لدى بعض الطوائف المسيحية، مع وضع نصوص قانونية واضحة ومحددة بشأن التصريح بالزواج الثاني، منعًا للغموض والتضارب في التطبيق العملي.
وأكد الدكتور نادر الصيرفي ضرورة أن يسري القانون على جميع المسيحيين المصريين دون تمييز أو قصره على ست طوائف فقط، مع استبدال لفظ “الطوائف” بلفظ “المسيحيين” أينما ورد في مشروع القانون، بما يعكس وحدة المخاطب الدستوري المنصوص عليه بالمادة الثالثة من الدستور.
وشدد كذلك على أهمية احترام حجية الأحكام القضائية ومنع تحصين أي قرارات كنسية أو إدارية من رقابة القضاء، تنفيذًا لنصوص الدستور التي تكفل سيادة القانون وخضوع جميع القرارات للرقابة القضائية الكاملة.
وتعتبر هذه الانتقادات الصادرة عن الدكتور نادر الصيرفي ذات أهمية خاصة، باعتباره من أبرز المتخصصين الذين يعتبرهم قطاع واسع من الأقباط المرجع الأول في قضايا وتشريعات الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر والشرق الأوسط، لما يمتلكه من خبرة قانونية ودستورية ممتدة في هذا الملف الشائك.
كما يرى متابعون أن المقترحات والتوصيات التي طرحها الصيرفي من شأنها الارتقاء بملف الأحوال الشخصية للمسيحيين ووضع حلول تشريعية جادة تحفظ كرامة الأسرة المسيحية وحقوق المواطنين، بدلًا من حالة الارتباك والتراجع التشريعي والإسفاف القانوني التي أثارتها بعض مواد مشروع القانون الحالي.
وتأتي تصريحات الدكتور نادر الصيرفي في وقت يشهد فيه مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين حالة من الجدل الواسع داخل الأوساط القانونية والحقوقية والكنسية، وسط مطالب متزايدة بإعادة النظر في عدد من مواده قبل إقراره نهائيًا.