موقع اخباري شامل صادر عن مؤسسة تحيا مصر

حين يصبح الصمت واجبًا سياسيًا !!

0
  • كتبت الدكتورة / ابتسام مصطفى

في لحظات الأزمات، تُقاس الحكمة بترتيب الأولويات، لا بإثارة أكثر الملفات حساسية. أما أن يخرج البعض في خضم الضغوط الاقتصادية التي يعيشها المواطن المصري ليفتح باب الحديث عن تعديل الدستور ومد فترة الحكم، فذلك لا يبدو اجتهادًا سياسيًا بقدر ما يبدو تجاهلًا كاملًا لنبض الشارع.

أي قراءة للمشهد تؤكد أن المواطن اليوم لا ينتظر نقاشًا دستوريًا، ولا يبحث عن معركة سياسية جديدة. ما يشغله هو فاتورة الكهرباء، وأسعار الغذاء، وتكاليف العلاج، وفرص العمل، ومستقبل أبنائه. هذه هي الأولويات الحقيقية، وكل ما عداها لا يعدو كونه انصرافًا عن جوهر الأزمة.

إن أخطر ما في مثل هذه الطروحات أنها تأتي في توقيت بالغ الحساسية، فتمنح الفرصة لكل من يتربص بالدولة لاستغلالها، وتفتح أبوابًا واسعة للجدل والانقسام، بينما تحتاج مصر إلى الهدوء، وتماسك الجبهة الداخلية، وتركيز الجهود على الملفات الاقتصادية والمعيشية.

السياسة ليست استعراضًا للأفكار، ولا سباقًا لإطلاق المبادرات. السياسة مسؤولية، وأول قواعد المسؤولية أن تعرف متى تتحدث، ومتى تصمت، ومتى تؤجل قضية حتى يحين أوانها. أما الإصرار على طرح ملفات خلافية في توقيت مرتبك، فلا يخدم الاستقرار، بل يضيف إلى المشهد مزيدًا من الضجيج والاحتقان.

من حق أي مواطن أن يعبر عن رأيه، لكن من واجب كل من يتصدر المشهد العام أن يدرك أن للكلمات توقيتًا، وللمبادرات ثمنًا، وأن الدولة ليست في حاجة اليوم إلى معارك جانبية، بل إلى خطاب يجمع الناس حول مواجهة التحديات الحقيقية.

إن إثارة قضايا بهذا الحجم في ظل الظروف الراهنة ليست دليلًا على حيوية الحياة السياسية، وإنما قد تتحول إلى عبء سياسي وإعلامي يدفع المجتمع ثمنه، ويصرف الاهتمام عن الملفات التي تمس حياة الملايين بصورة مباشرة.

لقد علمتنا التجارب أن الدول لا تُرهقها الأزمات وحدها، بل قد تُرهقها أيضًا المقترحات التي تأتي في غير أوانها. ولذلك، فإن المسؤولية الوطنية تفرض على الجميع أن يزنوا كلماتهم قبل إطلاقها، وأن يدركوا أن حسن التوقيت ليس تفصيلًا في السياسة، بل هو نصف الحكمة.

فإذا كان الهدف هو خدمة الوطن، فلتكن الأولوية لما ينتظره المواطن، لا لما يثير الجدل. أما المقترحات التي تأتي في غير وقتها، فلا تصنع إنجازًا، بل قد تخلق أزمة لم يكن الوطن في حاجة إليها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.