موقع اخباري شامل صادر عن مؤسسة تحيا مصر

حين تسقط القدوة… من يُداوي جرح الثقة؟

0

بقلم: نسرين رمزي

لم تعد القضية مجرد جريمة تُنظر أمام القضاء، بل تحولت إلى صدمة مجتمعية حقيقية، لأن المتهمة لم تكن شخصية عادية، بل كانت تُقدم نفسها باعتبارها واحدة من الأصوات المدافعة عن المرأة والأسرة، ومن الشخصيات التي تحظى بثقة وتأثير لدى كثير من السيدات.
وهنا يبدأ السؤال الأهم: ماذا عن الأثر النفسي الذي سيبقى في نفوس كل امرأة كانت تستمع إليها، وتتأثر بكلماتها، وتراها نموذجًا للوعي والقوة؟
المؤلم ليس فقط ما حدث، وإنما سرعة خروج بعض الأصوات لتقديم التبريرات قبل انتظار كلمة القضاء. فجأة أصبحت الضغوط النفسية، والخلافات الأسرية، وقسوة الأم، وظروف الحياة، عناوين جاهزة لتفسير كل جريمة، وكأن الألم أصبح رخصة لسفك الدماء.
نعم… هناك أمراض نفسية حقيقية، وهناك من يعاني في صمت ويستحق كل الدعم والعلاج. لكن المرض النفسي لا يجوز أن يتحول إلى مظلة نختبئ تحتها كلما وقعت جريمة بشعة. فالتشخيص مسؤولية الأطباء، وتحديد المسؤولية الجنائية شأن القضاء، أما المجتمع فلا ينبغي أن يخلط بين التعاطف مع المعاناة وبين تبرير الأفعال.
كم من امرأة خرجت من زواج فاشل، وربت أبناءها وحدها؟ وكم من سيدة خسرت عملها أو مشروعها، أو تعرضت للظلم والإقصاء، أو حوربت لأنها رفضت الخطأ؟ ومع ذلك لم تمتد يدها إلى أحد، ولم تجعل من أوجاعها مبررًا لجريمة.
الحياة لم تكن عادلة مع كثيرين، لكن العدالة تبدأ من الإنسان نفسه، حين يختار كيف يواجه ألمه.
إذا كانت العلاقة مع الأم مستحيلة، فهناك حلول كثيرة؛ الابتعاد، أو اللجوء إلى القانون، أو الاستعانة بالأقارب، أو توفير رعاية مناسبة لها إذا اقتضت الظروف. أما أن يصبح القتل خيارًا، فهذا لا يمكن أن تبرره أي رواية.
والسؤال الذي يجب أن يشغلنا أيضًا: كيف أصبح بعض من يتصدرون المشهد في التنمية البشرية أو الدعم النفسي أو الحديث عن حقوق الإنسان، غير مؤهلين أصلًا لحمل هذا التأثير؟ هل أصبح امتلاك منصة، أو شهادة حضور دورة، أو جمهور على مواقع التواصل، كافيًا ليمنح صاحبه صفة المرشد أو القدوة؟
المجتمع يحتاج إلى مراجعة حقيقية لمفهوم القدوة، لأن التأثير مسؤولية قبل أن يكون شهرة.
كما يحتاج إلى التوقف عن صناعة بطولات زائفة للجناة، وتحويلهم في كل مرة إلى ضحايا مطلقين، بينما يختفي صوت الضحية الحقيقية وسط سيل من التبريرات.
إن الدفاع عن حقوق المرأة لا يعني الدفاع عن أي امرأة مهما كان فعلها، كما أن الدفاع عن حقوق الإنسان لا يعني إسقاط حق الضحية في العدالة.
القيم لا تُختبر في الندوات، ولا في المؤتمرات، ولا أمام كاميرات البرامج، وإنما تُختبر حين تضيق الدنيا بالإنسان، فيختار القانون بدلًا من الانتقام، والعلاج بدلًا من العنف، والرحيل بدلًا من القتل. والاحتماء بالله والدين اولا واخيرا وبالقيم والانسانية المطلقة.
ويبقى الأمل أن تكون هذه القضية جرس إنذار، لا لإدانة شخص بعينه قبل حكم القضاء، وإنما لإعادة النظر فيمن نصنع منهم قدوات، وفي خطورة أن تتحول المنصات إلى مساحات للشعارات، بينما يظل الوعي الحقيقي هو القدرة على تحمل المسؤولية، وطلب المساعدة عند الحاجة، واحترام قدسية الحياة.
فالعدالة وحدها هي التي تُنصف الضحية، وتحفظ المجتمع، وتعيد للناس ثقتهم في أن الحق لا يضيع، وأن الدم لا يصبح يومًا مجرد وجهة نظر.
حين تتهاوى الأقنعة… وتسقط القدوة
فليس كل من تحدث عن الوعي… كان واعيًا
ولا تجعلوا المرض النفسي شماعة لكل جريمة
ازرعوا فى الجيل الجديد ان القدوة ليست كلمات… بل مواقف
فإن الوعي الزائف… أخطر من الجهل

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.