موقع اخباري شامل صادر عن مؤسسة تحيا مصر

لا تذبحوا الأطباء امام الكاميرات لتستروا عجز المنظومة

0

كتبت الدكتورة / ابتسام مصطفى

كلما انهارت المنظومة الصحية، خرج مسؤول أمام الكاميرات غاضبًا، يبحث عن ضحية سريعة يحمّلها غضب الناس. وأسهل الضحايا دائمًا هو الطبيب، لأنه آخر من يقف في مواجهة المريض، بينما يبقى المسؤول الحقيقي بعيدًا عن دائرة الاتهام.

إنها بطولة رخيصة تُبنى على استغلال ألم المرضى، وفقر البسطاء، وجهل كثيرين بحقيقة ما يدور داخل المستشفيات. فيتحول الطبيب إلى “المتهم الأول”، بينما تختفي من المشهد سنوات من نقص التمويل، وتعطل الأجهزة، وعجز الكوادر، وسوء الإدارة، وتراكم الأزمات.

الطبيب المصري لا يعمل في مستشفى يملك كل الإمكانات، بل يخوض معركة يومية داخل منظومة تعاني نقصًا في كل شيء؛ أجهزة لا تكفي، ومستلزمات تنفد، وأقسام مكتظة، ونوبات عمل تمتد لساعات طويلة، وضغوط نفسية وإنسانية لا يحتملها بشر. ورغم ذلك، يُطلب منه أن يصنع المعجزات، فإذا عجز بسبب غياب الإمكانات، وقف وحده في قفص الاتهام.

هل الطبيب هو من وضع الموازنات؟ هل هو من لم يوفر الأجهزة؟ هل هو من تسبب في نقص الدواء أو عجز الكوادر؟ هل هو من دفع آلاف الأطباء إلى الهجرة بحثًا عن بيئة تحفظ كرامتهم؟

الحقيقة التي يحاول البعض إخفاءها أن المواطن والطبيب ليسا خصمين… بل ضحيتان لمنظومة أنهكت كليهما. فالأول يبحث عن علاج، والثاني يبحث عن أدوات يستطيع بها إنقاذ حياته.

إن استعراض الحزم أمام عدسات التصوير لن يفتح غرفة عناية مركزة، ولن يوفر جهاز أشعة، ولن يعيد طبيبًا هاجر، ولن يداوي مريضًا ينتظر دوره في ممر مزدحم. المحاسبة الحقيقية لا تبدأ بمن يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، بل بمن صنع الأزمة، أو تجاهلها، أو سمح لها أن تستمر حتى أصبحت واقعًا يعيشه ملايين المصريين.

فلا تذبحوا الأطباء أمام الكاميرات… فالمشهد قد يمنح تصفيقًا عابرًا، لكنه لن يخفي الحقيقة: الكارثة أكبر من طبيب، والمسؤول عنها ليس من يقف بجوار سرير المريض، بل من ترك المنظومة تصل إلى هذا الحد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.