موقع اخباري شامل صادر عن مؤسسة تحيا مصر

غين سحرية!!!!

0

مقال بقلم ياسر عامر

لم تكن مجرد صدفة عابرة حين توقفتُ أمام حلقات من مسلسل “عين سحرية” تُعرض على إحدى القنوات.و للوهلة الأولى، تكرارًا لفكرة مستهلكة، حكاية أُعيد تدويرها حتى بهتت ملامحها. لكن وكما يحدث أحيانًا، تختبئ الفكرة القديمة خلف سؤال جديد… سؤال أكثر إزعاجًا.

فنيّ بسيط، واحد من آلاف، يُدفع إلى منطقة رمادية؛ يُطلب منه تركيب كاميرات خفية داخل البيوت. يرفض أولًا، لأن الفطرة لا تزال يقظة، لكن الحاجة حين تُحاصر، تُعيد صياغة القناعات، فيقبل. تسجّل الكاميرات جريمة قتل، فتبدأ الحكاية، ويظهر من يتزيّن بثوب الفضيلة، مُدّعيًا أن الهدف هو كشف الفساد ونصرة العدالة.

لكن، أحقًا كانت عينًا ترى لتُصلح؟

أم كانت بذرة غينٍ تُخفي لتُفسد؟

هنا، لا نتحدث عن مجرد حرف تغيّر، بل عن انقلاب معنى، وانكسار قيمة. نقطة صغيرة، لكنها فاصلة بين طريقين: عينٌ تُبصر النور، وغينٌ تُعمّي البصيرة. من الشرف إلى الابتذال، من الرسالة إلى المتاجرة، من كشف المستور إلى انتهاكه،. كأن الحقيقة ارتدت قناعًا، وكأن النور انطفأ بإرادة من كان يفترض به أن يحمله.

وهكذا، انزلقت الحكاية… من دعوى الإصلاح إلى مستنقع الابتزاز من نصرة الحق إلى صناعته على مقاس المصالح. لم تعد الكاميرا وسيلة، بل صارت سلاحًا؛ لا تُضيء الواقع، بل تبتزه. لا تكشف الجريمة، بل تُعيد إنتاجها في صورة أكثر قسوة.

لكن السؤال الأثقل لم يكن في العمل ذاته… بل فيما أيقظه داخلي:

ماذا لو كنا نحن الحكاية؟

ماذا لو كانت حياتنا، بكل تفاصيلها، مرصودة بعدسات لا تُرى؟

ماذا لو أن كل نظرة، كل كلمة، كل نية عابرة… محفوظة في سجل لا يضيع؟

ليست فرضية خيالية… بل حقيقة نعيشها.

نها “كاميرات” الخالق العظيم، التي لا تحتاج إلى عدسة ولا إلى ذاكرة تخون. كاميرات لا تُعطّل، لا تُخترق، لا تُباع. تسجّل ما نُعلن وما نُخفي، ما نُحسن وما نُسيء، بل ما نهمّ به قبل أن يكون.

وهنا، يسقط الفارق بين “عين” و”غين”.

هناك، لا مجال للتحريف… ولا فرصة للابتزاز… ولا مهرب من الحقيقة.

تخيل المشهد…

يوم تُعرض فيه الأعمال، لا على شاشات البشر، بل على مرأى من الخلق أجمعين. يوم تُفتح الملفات، لا بصيغة الفيديو، بل بصيغة الحقّ المجرد. يوم تُنزع الأقنعة، وتسقط الأعذار، ويقف الإنسان وحيدًا أمام ما قدّم.

هناك، لا صوت يعلو فوق صوت الحقيقة.

لا مونتاج يُخفي، ولا حذف يُنقذ، ولا إنكار يُجدي.

وجوهٌ كانت تبتسم ستبهت، وأصواتٌ كانت تتباهى ستخفت وقلوبٌ كانت تظن أنها نجت… ستدرك أنها كانت مُسجّلة بدقة لا ترحم. لحظة يُسأل فيها الإنسان عن كل نظرة خانت، وكل كلمة آذت، وكل سرّ ظن أنه دُفن.

وفي لحظةٍ لا تشبه سواها… حين يُنادى على الأسماء لا بالأصوات بل بالأعمال، تُعرض “التسجيلات” كاملة، بلا اقتطاع ولا تزييف هناك، لا تُعرض الأفعال فقط، بل تُكشف النيّات التي وُلدت في الظلام، وتُستعاد اللحظات التي ظنّها صاحبها عابرة. كل مشهد محفوظ، كل همسة مكتوبة، كل خفقة قلبٍ كانت شاهدة. يقف الإنسان أمام ذاته كما لم يرها من قبل؛ لا كما أحب أن يكون، بل كما كان حقًا. تُنطق الجوارح، وتُفضح الأسرار، وتتحول الحياة كلها إلى شهادة لا يمكن الطعن فيها. هناك، تدرك الروح أن أعظم عدسة لم تكن تلك التي خافتها يومًا… بل تلك التي غفلت عنها، وكانت تكتبها في صمت، لتعرضها في يومٍ لا يُؤجَّل، ولا يُنسى.

يومها… لن تكون “غينًا” تُخفي،

بل حقيقةً تُعرّي.

يومها… لن تُطفأ الكاميرات،

بل تُفتح إلى الأبد.

وهنا فقط، ندرك أن أخطر ما في الحكاية… لم يكن الكاميرا،

بل تلك النقطة الصغيرة… التي غيّرت “عينًا” إلى “غين”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.