عمرو سراج تحيا مصر يكتب ليه مصر لازم توصل لـ2030 بدون الدخول في حروب؟
عمرو سراج تحيا مصر يكتب ليه مصر لازم توصل لـ2030 بدون الدخول في حروب؟
اللي يقرأ التاريخ كويس، ما بيكتفيش إنه يعرف اللي حصل… لكنه بيتعلم إزاي يتجنب تكرار الأخطاء.
التاريخ مش بيعيد نفسه بالحرف، لكن أحيانًا يعيد طرح الأسئلة نفسها، ويضع الدول أمام اختبارات متشابهة، والفرق الحقيقي بيكون في قدرة القيادة على قراءة المشهد، واستخلاص الدروس، واتخاذ القرار في الوقت المناسب.
وعشان نفهم ليه مصر اليوم محتاجة توصل إلى 2030 وهي بعيدة عن الحروب المباشرة، لازم نبص إلى تجربة مصر في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
عبد الناصر جاء بطموح ضخم لبناء دولة مصرية حديثة، والانتقال بها من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الزراعة إلى دولة تمتلك قاعدة صناعية وعسكرية أكثر قوة واستقلالًا.
شهدت تلك المرحلة إنشاء مصانع وشركات وهيئات ومشروعات كبرى، إلى جانب تطوير قدرات الجيش والتوسع في التصنيع العسكري، ومن أبرز المشروعات العسكرية في تلك الفترة مشروع الطائرة «حلوان 300»، إلى جانب برامج الصواريخ مثل «القاهر» و«الظافر».
كما دعمت الدولة بناء المدن والمساكن والتوسع في المشروعات الزراعية والصناعية، وامتد الدور المصري إلى دعم حركات التحرر والاستقلال في المنطقة وأفريقيا.
لكن الطموح الكبير كان له ثمن.
الإنفاق العسكري ارتفع بصورة كبيرة، والاقتصاد تعرض لضغوط متزايدة، وفي الوقت نفسه كانت مصر تتحرك داخل بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، تتداخل فيها الحسابات الأمريكية والإسرائيلية والسوفيتية والعربية.
ثم جاءت أزمة 1967.
وبغض النظر عن اختلاف الروايات والتحليلات حول المسؤوليات المباشرة وغير المباشرة، فإن النتيجة كانت كارثية على مصر: خسائر عسكرية ضخمة، واستنزاف اقتصادي، وتوقف أو تباطؤ قطاعات من عملية البناء، وتحول جزء كبير من موارد الدولة إلى المجهود الحربي.
وهنا الدرس الأهم:
الدولة التي تريد أن تبني اقتصادًا قويًا وقاعدة صناعية مستقلة، لا تستطيع أن تسمح باستنزاف مواردها في حروب مفتوحة بلا نهاية.
واليوم… هل المشهد متشابه؟
مصر اليوم أمام مشروع ضخم لإعادة بناء قدراتها الاقتصادية والعسكرية والبنية التحتية.
هناك توسع في المدن والطرق والموانئ والمشروعات القومية، وزيادة الاهتمام بالتصنيع والإنتاج والطاقة والزراعة، إلى جانب تطوير قدرات القوات المسلحة.
وفي الوقت نفسه، تتحرك مصر داخل محيط إقليمي بالغ الحساسية:
فلسطين وغزة شرقًا،
ليبيا غربًا،
السودان والقرن الأفريقي جنوبًا،
البحر الأحمر والممرات البحرية،
وأمن مياه النيل وسد النهضة.
كل اتجاه من هذه الاتجاهات يحمل ملفًا قادرًا وحده على استنزاف الدولة إذا تحول إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.
وهنا تظهر أهمية الصبر الاستراتيجي.
ليس معنى الصبر أن الدولة ضعيفة.
وليس معنى ضبط النفس أنها لا تستطيع الرد.
العكس تمامًا.
أحيانًا تكون أقوى قرارات الدولة هو القرار الذي يمنع الحرب عندما تكون الحرب هي ما يريده الخصم.
لأن الحرب ليست مجرد معركة عسكرية.
الحرب تعني مليارات تُنفق، ومشروعات تتأخر، واستثمارات تتأثر، وسلاسل إمداد تضطرب، وأولويات اقتصادية تتغير، وأجيال تتحمل تكلفة قرار قد يمتد أثره لعشرات السنين.
وهنا يجب أن نتعلم من 1967
مصر ليست مطالبة بأن تدخل كل معركة تُفتح حولها.
ومش مطلوب من مصر أن تثبت قوتها بالدخول في كل مواجهة.
القوة الحقيقية هي أن تمتلك القدرة على الحرب، لكن تمتلك معها القدرة الأكبر على اختيار توقيتها ومكانها وهدفها.
مصر لديها حدود استراتيجية واسعة، ومصالح إقليمية ضخمة، وموقع يجعل أي اضطراب حولها مؤثرًا بصورة مباشرة على أمنها القومي.
ولهذا فإن الحفاظ على الاستقرار حتى 2030 ليس ترفًا سياسيًا.
إنه جزء من معركة البناء نفسها.
مصر تحتاج إلى وقت لكي تكمل بناء الصناعة، وتزيد الإنتاج، وتطور الزراعة، وتدعم الطاقة، وتوسع الاستثمار، وتعزز قدرتها على العملة الصعبة، وتستكمل مشروعات البنية التحتية، وتبني اقتصادًا أكثر قدرة على مواجهة الأزمات.
كل سنة استقرار تعني فرصة جديدة للبناء.
وكل حرب مفتوحة تعني أن جزءًا من هذه الفرصة قد يتحول إلى تكلفة عسكرية واقتصادية.
لذلك… 2030 ليست مجرد سنة
2030 يجب أن تكون نقطة تقف عندها مصر وهي أقوى اقتصاديًا، وأكثر إنتاجًا، وأكثر قدرة على حماية أمنها القومي، وأكثر استقلالًا في قرارها.
وهذا لا يعني أن مصر ستتخلى عن حقوقها أو مصالحها.
بل يعني العكس:
نحافظ على حقوقنا… دون أن نسمح لأحد أن يختار لنا توقيت الحرب.
نرد عندما يكون الرد ضرورة.
نتفاوض عندما يكون التفاوض أكثر فاعلية.
نضغط عندما تكون أدوات الضغط أفضل من الرصاص.
ونستخدم القوة عندما تصبح القوة هي الخيار الضروري لحماية الأمن القومي.
أما أن ندخل في حروب طويلة لأن الآخرين يريدون جرّنا إليها، فهذه ليست شجاعة… بل قد تكون خسارة لمعركة أكبر اسمها بناء الدولة.
التاريخ لا يطلب منا أن نعيش في الماضي.
بل يطلب منا أن نتعلم منه.
وربما أهم درس يمكن أن تتعلمه مصر اليوم هو:
ابنِ أولًا… واحمِ ما بنيت… ولا تسمح لأحد أن يستنزفك بعيدًا عن هدفك.
مصر تحتاج أن تصل إلى 2030 وهي تبني، لا وهي تنزف.
تحتاج أن تصل وهي أقوى اقتصاديًا وعسكريًا وسياسيًا.
تحتاج أن تصل وهي تمتلك قرارها، وتحمي حدودها، وتدافع عن مصالحها، ولكن دون أن تقع في فخ الاستنزاف.
الصبر الاستراتيجي ليس تراجعًا…
وضبط النفس ليس ضعفًا…
وتجنب الحرب ليس خوفًا.
أحيانًا يكون أعظم انتصار للدولة هو أن تعرف متى لا تحارب.
عمرو سراج تحيا مصر يكتب
🇪🇬 حفظ الله مصر… وحفظ جيشها وشعبها… وحفظ الله الوطن من كل سوء.