موقع اخباري شامل صادر عن مؤسسة تحيا مصر

عمرو سراج تحيا مصر يكتب قصة المادة 25 من قانون إنشاء جامعة كيان.

عمرو سراج تحيا مصر يكتب قصة المادة 25 من قانون إنشاء جامعة كيان.

 

 

 

 عندما حُسم الجدل لصالح المساواة وتكافؤ الفرص

من مكافأة مالية لطلاب الشعبة العسكرية إلى اعتراض رئاسي ومناقشات برلمانية انتهت بحذف المادة..

 ما القصة الكاملة؟

لم تكن المادة 25 من مشروع قانون إنشاء جامعة كيان بالقوات المسلحة للعلوم التطبيقية مجرد مادة قانونية عابرة في مشروع تشريعي يستهدف إنشاء صرح تعليمي جديد، بل تحولت إلى محور نقاش دستوري وبرلماني واسع، فتح الباب أمام تساؤلات مهمة بشأن المساواة بين الطلاب، وطبيعة المزايا المالية المرتبطة بالدراسة العسكرية، وحدود التوازن بين متطلبات المؤسسات التعليمية المختلفة ومبادئ الدستور المصري.

إنها قصة تستحق التوقف أمام تفاصيلها، ليس من باب الجدل السياسي، وإنما لفهم كيفية صناعة التشريع، ودور المؤسسات الدستورية في مراجعة النصوص القانونية، وأهمية أن تظل المساواة وتكافؤ الفرص ركيزتين أساسيتين في بناء الدولة الحديثة.

أولًا: ما جامعة كيان؟

 ولماذا أُنشئت؟

جاء مشروع قانون إنشاء جامعة كيان بالقوات المسلحة للعلوم التطبيقية في إطار التوجه نحو تطوير منظومة التعليم والبحث العلمي وإقامة مؤسسة تعليمية تجمع بين الدراسة العسكرية والمدنية في إطار أكاديمي متخصص.

واستهدف المشروع إنشاء جامعة تتمتع بالشخصية الاعتبارية، وتتبع وزير الدفاع وتعمل على إعداد خريجين من الضباط والمدنيين في مجالات العلوم التطبيقية إلى جانب إتاحة الدراسات العليا والتخصصات العلمية، وتعزيز التعاون مع الجامعات ومراكز التدريب والبحث العلمي.

وتضمن المشروع تنظيمًا إداريًا وأكاديميًا للجامعة وكلياتها ومعاهدها، فضلًا عن تحديد طبيعة الدراسة وشروط الالتحاق والحقوق والواجبات والمزايا المقررة للدارسين.

وقد وافق مجلس النواب نهائيًا على مشروع القانون في 22 يوليو 2026، قبل أن ينتقل المشروع إلى مرحلة جديدة من النقاش بعد الاعتراض الرئاسي على إحدى مواده، وهي المادة 25.

وهنا بدأت القصة التي شغلت الرأي العام، وأعادت التأكيد على أن أي تشريع، مهما كانت أهميته أو أهدافه، يظل خاضعًا للمراجعة الدستورية والتشريعية.

ثانيًا: ماذا كانت تنص عليه المادة 25؟

تضمنت المادة 25 نصًا يتعلق بالمزايا المالية لطلاب الشعبة العسكرية بكليات ومعاهد الجامعة، إلى جانب مكافآت سنوية للطلاب المتفوقين.

وجاء في مضمونها أن طلاب الشعبة العسكرية يستحقون مكافأة شهرية تعادل أول راتب لرتبة الملازم والتعويضات المقررة قانونًا، اعتبارًا من التاريخ الذي تُمنح فيه هذه الرتبة لأقرانهم من خريجي الكلية الحربية بالأكاديمية العسكرية المصرية، بشرط إتمام الدراسة بنجاح.

كما تضمنت منح طلاب الجامعة المتفوقين مكافأة سنوية، وفقًا للشروط والأوضاع التي تحددها اللائحة الداخلية لكل كلية أو معهد.

وبالتالي، لم يكن النص مقتصرًا على مكافآت التفوق الأكاديمي، بل تناول أيضًا استحقاقًا ماليًا لطلاب الشعبة العسكرية مرتبطًا براتب رتبة عسكرية محددة وتوقيت منحها لأقرانهم من خريجي الكلية الحربية.

وهنا ظهرت المسألة الأساسية: 

هل تحقق هذه المزايا التوازن المطلوب بين الفئات الطلابية المختلفة داخل المنظومة التعليمية، أم أنها تستدعي مراجعة لضمان الاتساق مع المبادئ الدستورية الحاكمة؟

هذا التساؤل كان في قلب النقاش الذي أعقب الاعتراض على المادة.

ثالثًا: لماذا أصبحت المادة 25 محل اعتراض؟

تركز الجدل حول مدى توافق النص مع مبدأي المساواة وتكافؤ الفرص اللذين يكفلهما الدستور المصري.

فالمادة التاسعة من الدستور تؤكد التزام الدولة بتحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين دون تمييز بينما تقرر المادة 53 مبدأ المساواة أمام القانون، وتحظر التمييز لأسباب متعددة.

وفي ضوء هذين المبدأين، برزت الحاجة إلى مراجعة الصياغة التشريعية للمزايا التي تضمنتها المادة، ومدى اتساقها مع الإطار الدستوري الذي يحكم الحقوق والالتزامات داخل المؤسسات التعليمية.

ومن المهم هنا التمييز بين أمرين:

الأول: الاعتراف بطبيعة الدراسة العسكرية ومتطلباتها الخاصة، وما قد تستلزمه من قواعد تنظيمية تتناسب مع طبيعة الخدمة العسكرية.

الثاني: ضرورة أن تكون المزايا والحقوق التي يقررها القانون قائمة على أسس واضحة ومتسقة مع الدستور، وألا تؤدي الصياغة التشريعية إلى إخلال بمبدأ المساواة أو تكافؤ الفرص.

فليس معنى المساواة بالضرورة أن تكون جميع الأوضاع متطابقة في كل التفاصيل، وإنما أن تستند الفروق التي يقررها القانون إلى أسس موضوعية ومشروعة، وأن تكون منضبطة بأحكام الدستور.

ومن هذه الزاوية، اكتسب الاعتراض على المادة 25 أهميته؛ لأنه لم يتوقف عند مسألة مالية، بل امتد إلى سلامة البناء التشريعي ومدى توافقه مع المبادئ الدستورية.

رابعًا: الاعتراض الرئاسي نقطة التحول في القضية

بعد موافقة مجلس النواب نهائيًا على مشروع القانون، أُحيل إلى رئيس الجمهورية، ثم ورد الاعتراض الرئاسي على المادة 25 إلى المجلس في أغسطس 2026.

وجاء الاعتراض في إطار الحق الدستوري المقرر لرئيس الجمهورية بموجب المادة 123 من الدستور، التي تنظم إجراءات إصدار القوانين والاعتراض عليها وإعادتها إلى مجلس النواب.

وقد أعاد هذا الاعتراض القضية إلى المؤسسة التشريعية، لتبدأ مرحلة جديدة من المراجعة والمناقشة.

وفي الأول من أكتوبر 2026، عرض مجلس النواب كتاب رئيس الجمهورية بشأن الاعتراض على المادة، كما استمع إلى بيان رئيس مجلس الوزراء حول الموضوع.

وفي الخامس من أكتوبر، وافقت اللجنة العامة بمجلس النواب على الاعتراض الرئاسي، وأكدت أهمية مراعاة المساواة بين الطلاب، مع الحفاظ على استقلالية الجامعات وتحقيق التكامل بينها.

ولم تكن هذه الخطوة مجرد إجراء شكلي، بل عكست ممارسة فعلية للآليات الدستورية التي تتيح إعادة النظر في النصوص التشريعية عندما تظهر ملاحظات تتعلق بمدى توافقها مع الدستور.

وهنا يتجلى أحد أهم دروس القضية: إقرار مشروع القانون لا يعني استحالة مراجعته، بل إن النظام الدستوري يتيح إعادة النظر فيه وفق إجراءات محددة، وصولًا إلى صياغة أكثر اتساقًا مع أحكام الدستور.

خامسًا: ماذا حدث داخل مجلس النواب؟

لم تنته القضية بمجرد موافقة اللجنة العامة على الاعتراض، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر تفصيلًا من الدراسة.

ففي الخامس من أكتوبر 2026، وافق مجلس النواب على تشكيل لجنة خاصة لإعادة دراسة المادة 25، برئاسة الدكتور عاصم الجزار، وكيل أول المجلس.

وضمت اللجنة عددًا من النواب والمتخصصين في مجالات التعليم والشؤون الدستورية والتشريعية والدفاع والأمن القومي.

وتولت اللجنة دراسة النص محل الاعتراض، ومراجعة الجوانب القانونية والدستورية المرتبطة به، والنظر في كيفية معالجة الإشكال الذي أثاره الاعتراض الرئاسي.

وقد انتهت اللجنة الخاصة إلى أن حذف المادة يحقق الغاية من الاعتراض، دون الحاجة إلى إدخال تعديلات إضافية خارج نطاق المبادئ التي أقرها المجلس.

وتكشف هذه المرحلة أهمية العمل البرلماني المتخصص؛ فالتشريع الرصين لا يقوم على مجرد التصويت، وإنما يستند أيضًا إلى دراسة النصوص، وفحص آثارها، ومراجعة مدى اتساقها مع القواعد الدستورية والقانونية.

سادسًا: 12 أكتوبر 2026.. القرار النهائي بحذف المادة 25

في تطور حاسم، وافق مجلس النواب نهائيًا، خلال جلسته العامة المنعقدة يوم الاثنين 12 أكتوبر 2026، على حذف المادة 25 من مشروع قانون إنشاء جامعة كيان بالقوات المسلحة للعلوم التطبيقية.

وجاء القرار استجابة للاعتراض الرئاسي، وبعد دراسة اللجنة الخاصة التي انتهت إلى أن الحذف يحقق الغاية الدستورية المطلوبة.

كما وافق المجلس على إعادة ترقيم المواد وضبط الإحالات القانونية الواردة في المشروع بما يتفق مع حذف المادة.

وبذلك انتهى الجدل التشريعي حول النص محل الاعتراض، وانتقل مشروع القانون إلى صورته المعدلة التي لا تتضمن المادة 25 بصيغتها السابقة.

ويجب التأكيد هنا على أن ما حُذف هو النص محل الاعتراض المتعلق بالمكافآت المالية المقررة لطلاب الشعبة العسكرية، وليس مشروع إنشاء الجامعة بأكمله.

فقد استمر مجلس النواب في استكمال إجراءات الموافقة النهائية على مشروع القانون بعد حذف المادة.

وهذا فارق جوهري ينبغي إدراكه عند تناول القضية إعلاميًا؛ لأن الاعتراض انصب على مادة محددة، ولم يكن رفضًا لفكرة إنشاء الجامعة في ذاتها.

سابعًا: هل يعني حذف المادة إلغاء جميع المكافآت والمزايا الطلابية؟

من الضروري التعامل مع هذا السؤال بدقة قانونية.

إن حذف المادة 25 يعني استبعاد الأحكام التي كانت واردة فيها، ومنها النص الخاص بالمكافأة الشهرية المعادلة لأول راتب رتبة الملازم والتعويضات المقررة قانونًا لطلاب الشعبة العسكرية.

أما المكافآت أو الحقوق الأخرى التي قد تستند إلى نصوص قانونية مستقلة، فلا يصح افتراض إلغائها لمجرد حذف هذه المادة، بل يتوقف الأمر على النصوص المنظمة لها، ومدى استمرار سريانها، وأحكام مواد الإصدار والقواعد القانونية ذات الصلة.

كذلك، فإن حذف المادة لا يعني تلقائيًا ضياع الحقوق القانونية المكتسبة للطلاب المقيدين بالفعل؛ إذ يتطلب تحديد المراكز القانونية لهذه الفئات الرجوع إلى النصوص الانتقالية والضمانات الواردة في مواد إصدار القانون، فضلًا عن القواعد القانونية الواجبة التطبيق.

وقد أشارت التغطية البرلمانية إلى وجود ضمانات تتعلق بالمراكز القانونية والحقوق المكتسبة للطلاب المقيدين حاليًا بكلية الطب بالقوات المسلحة.

ومن ثم، فإن أي حديث عن مصير استحقاق مالي بعينه، أو عن تطبيق الحذف على فئة محددة من الطلاب، يجب أن يستند إلى النص القانوني النهائي المنشور رسميًا، لا إلى الاجتهاد أو الاستنتاج وحده.

ثامنًا: ماذا تكشف قصة المادة 25 عن الدستور المصري؟

تقدم هذه القضية نموذجًا عمليًا لكيفية تفاعل السلطات الدستورية عند ظهور اعتراض على نص تشريعي.

فالمادة 123 من الدستور تنظم حق رئيس الجمهورية في الاعتراض على مشروعات القوانين، بينما أتاحت الإجراءات البرلمانية إعادة دراسة المادة محل الاعتراض، والاستعانة باللجان المختصة، ثم اتخاذ القرار بشأنها.

كما تبرز القضية أهمية المادتين 9 و53 من الدستور، باعتبارهما من المرتكزات الأساسية لمناقشة المساواة وتكافؤ الفرص.

ولا تقتصر دلالة هذه الواقعة على حذف مادة بعينها، بل تمتد إلى التأكيد على أن التشريع يجب أن يخضع للمراجعة والتقييم، وأن النصوص القانونية لا تكتسب حصانة من النقد لمجرد إقرارها في مرحلة سابقة.

فالدولة القانونية القوية ليست الدولة التي لا تعيد النظر في قراراتها، بل الدولة التي تمتلك مؤسسات قادرة على مراجعة التشريعات وتصحيح المسار عندما تقتضي الضرورة ذلك.

وفي الوقت نفسه، فإن احترام الدستور يتطلب قراءة متوازنة لطبيعة المؤسسات المختلفة، وعدم اختزال كل اختلاف في القواعد المنظمة لها في صورة تم%8

التعليقات مغلقة.