كتبت الدكتورة / ابتسام مصطفى
لم يعد أكثر ما يخيف المواطن المصري هو ارتفاع الأسعار ، بل أن يسمع بعدها مسؤولا يطالبه بالاقتناع و الرضاء ، أو يطالبه بالصبر ، أو يحدثه عن حياة لا تمت بصلة إلى واقعه .
فالغلاء قد يكون له تفسير اقتصادي ، أما الاستفزاز فلا مبرر له .
هناك قاعدة سياسية بسيطة تقول:
” كلما زادت معاناة الناس، وجب أن تقل تصريحات المسؤولين، وأن يزداد إنصاتهم ”
لكن ما يحدث أحياناً هو العكس ؛ فكلما ضاقت الأحوال، خرجت علينا تصريحات تبدو وكأنها صادرة من كوكب آخر.
عندما يسمع المواطن حديثا متكررًا عن مشروعات سكنية وفيلات وشقق بملايين الجنيهات، بينما يقضي نصف يومه يبحث عن شقة إيجار مناسبة أو يحاول سداد قسط شقة متواضعة، فإنه لا يشعر بالفخر ، بل يشعر أن الدولة تخاطب فئة أخرى لا ينتمي إليها.
وعندما ترتفع أسعار السلع، ثم يسمع دعوات من نوع: ” قاطعوا السلعة حتى ينخفض سعرها ” يتساءل: أليس دور الحكومة هو ضبط الأسواق وحماية المنافسة ومنع الاحتكار؟ متى أصبح المواطن هو جهاز الرقابة، وهو جهاز حماية المستهلك، وهو المسؤول عن إعادة التوازن للأسعار؟
وعندما تتكرر عبارات مثل ” تحملوا ” و ” اصبروا ” دون أن يصاحبها خطاب واضح يشرح متى ستنتهي هذه التضحيات وما نتائجها، يتحول الصبر من قيمة وطنية إلى شعور بالإرهاق و اليأس
و الأكثر استفزاز أن بعض المسؤولين يتحدثون بالأرقام والنسب، بينما يتحدث المواطن بلغة مختلفة تمامًا؛ لغة فاتورة الكهرباء، و إيجار الشقة، وثمن الدواء، ومصروفات المدارس.
المشكلة ليست في بناء المدن الجديدة، ولا في جذب الاستثمار، ولا في المشروعات القومية. هذه كلها أدوات للتنمية، وقد تكون ضرورية. لكن الخطأ أن يتحول الحديث عنها إلى تجاهل كامل لمن لا يستطيع شراء وحدة فيها، كأن المواطن البسيط مجرد متفرج على وطن يبني لغيره.
المسؤول الحقيقي لا يقاس بعدد المؤتمرات التي يحضرها، ولا بعدد الكاميرات التي تتبعه، و إنما بقدرته على قراءة وجوه الناس.
فالسياسة ليست إدارة أرقام فقط، بل إدارة مشاعر أيضًا.
التاريخ لا يذكر المسؤول الذي تحدث كثيرًا، بل يذكر المسؤول الذي قال الكلمة المناسبة في الوقت المناسب.
أما المسؤول الذي يخرج ليتحدث عن الرفاهية بينما الناس تبحث عن الأساسيات، أو يهون من معاناة الغلاء بكلمات لا تلامس الواقع، فهو لا يخفف الأزمة… بل يضيف إليها أزمة ثقة.
إن أخطر فجوة يمكن أن تنشأ بين الدولة والمواطن ليست فجوة الدخل، بل فجوة الإحساس.
عندما يشعر المواطن أن من يحكمه لا يسمع أنينه، ولا يرى طوابير معاناته، ولا يزن كلماته قبل أن ينطق بها، فإن المشكلة لم تعد اقتصادية فقط… بل أصبحت سياسية ونفسية أيضًا.
ولذلك، فإن أول إصلاح تحتاجه أي حكومة ليس تعديل الأسعار، بل مراجعة الخطاب الرسمي.
فالكلمة مسؤولية.
والمنصب مسؤولية.
ومن لا يعرف وزن الكلمة… لا يستحق ثقل المسؤولية.