كتبت / ابتسام مصطفى
عندما تحين ذكرى حرب أكتوبر، يتبارى الجميع في سرد عظمة النصر والتباهي بما صنعه الجندي المصري، وهذا حق لا يختلف عليه اثنان و لكن الاحتفال بالنصر لا يجب أن يجعلنا ننسى الدرس الأهم ان : المعارك تنتهي ، لكن الصراع يبقي متأججا فى العقول .
في أكتوبر 1973 واجهنا العدو في ميدان واضح، وانتصرنا عليه في معركة عسكرية أثبت فيها الجندي المصري أن كسر إرادته في الميدان ليس أمرًا سهلًا. لكن من دروس الصراعات أن الخصم لا يكرر بالضرورة المعركة التي خسرها؛ بل يبحث عن ساحة أخرى، وأدوات أخرى، ونقاط ضعف مختلفة.
كان ميدان أكتوبر واضحًا: قناة، تحصينات، دبابات، طائرات وجنود. أما صراعات اليوم، فقد تتجاوز الحدود إلى ما هو أعمق وأقل وضوحًا؛ فبدل أن تحاول كسر الدولة من الخارج، يمكن محاولة استنزاف عناصر قوتها من الداخل. وهنا تتغير قواعد اللعبة: من السلاح إلى الوعي، ومن الحدود إلى المجتمع، ومن الدبابة إلى الاقتصاد.
تبدأ المعركة من المجتمع والأسرة والقيم؛ بإضعاف قيمة العمل، وتغليب الاستهلاك على الإنتاج، وتفكك الأسرة، وتشويه الهوية، وتحويل الاختلاف إلى صراع. فالمجتمع المتماسك أحد أهم خطوط دفاع الدولة.
ثم تأتي معركة الوعي؛ فشائعة أو معلومة مضللة قد تضرب الثقة وتزرع الشك، وتدفع الشعب إلى مواجهة بعضهم و تفكيكهم فكريا بدلًا من اتحادهم على هدف واحد
و بالتوازي تأتى مهمه الحدود ؛ فتعدد الأزمات والاضطرابات في المحيط الإقليمي يفرض على الدولة توزيع قوتها ومواردها على أكثر من اتجاه. فتراكم الضغوط قد يخلق مساحات يحاول الخصوم استغلالها.
يتلو ذلك حرب الموارد: المياه، والغذاء، والطاقة، والممرات البحرية. ملفات قد تبدو اقتصادية، لكنها في أوقات الصراع تصبح جزءًا من الأمن القومي، لأن من يملك القدرة على الضغط على موارد الدولة يملك ورقة ضغط على قدرتها على المواجهه
وهنا تكمن خطورة الحرب التي لا تعلن عن نفسها: أن تُستنزف الدولة دون أن يعبر جندي واحد حدودها.
لكن أخطر خطأ أن نرى مؤامرة خلف كل أزمة؛ فبعض نقاط ضعفنا نصنعها بأيدينا. والخطر الحقيقي أن يعرف الآخرون ثغراتنا أكثر مما نعرفها نحن.
آباؤنا عبروا القناة و مهمتنا اليوم ألا نسمح لأحد بأن يعبر إلى داخل مصر من بوابة ضعفنا.
نحمي الأسرة، ونرفع قيمة العمل، ونحافظ على هويتنا، ونبني اقتصادًا منتجًا، ونؤمّن مواردنا، ونحمي حدودنا، ونحصّن وعينا.
أكتوبر انتهت كمعركة و لكن درسها لم ينتهِ.
فالحرب تتغير وأدواتها تتغير، ومصر يجب أن تظل مستعدة لكل ساحة قد تنتقل إليها المعركة.
حفظ الله مصر