كتب هدى العيسوى
في عالم تتسارع فيه التحولات الرقمية وتتوسع فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي بصورة غير مسبوقة، لم تعد التكنولوجيا مجالًا منفصلًا عن حياة الناس، بل أصبحت حاضرة في التعليم والبحث العلمي والخدمات الحكومية والأعمال وحتى في المبادرات المجتمعية.
ضمن هذا المشهد، تأتي تجربة المهندس حيدر إبراهيم أحمد بخيت، التي تنقلت بين السودان وسلطنة عُمان والولايات المتحدة وكندا، وجمعت بين هندسة البرمجيات والتحول الرقمي والتدريب والبحث في التقنيات الحديثة، إلى جانب العمل التطوعي وخدمة المجتمع.
البداية من هندسة البرمجيات
بدأ حيدر مساره الأكاديمي في السودان بدراسة هندسة البرمجيات، وهو التخصص الذي شكل الأساس لاهتمامه بتطوير الأنظمة والحلول الرقمية ومعالجة المشكلات المؤسسية باستخدام التكنولوجيا.
ولم تقتصر تجربته على الجانب الأكاديمي، إذ ارتبطت بدايات مسيرته المهنية بمحاولات الاستفادة من البرمجيات في تطوير الإجراءات التقليدية وإدارة المعلومات بصورة أكثر كفاءة.
ومن بين التجارب التي شارك فيها العمل على مشروعات مرتبطة بالتحول من الإجراءات الورقية التقليدية إلى الأنظمة الإلكترونية، بما في ذلك تجربة مرتبطة بنظام التقديم للجامعات، في مرحلة شهد فيها السودان توسعًا تدريجيًا في الاعتماد على الحلول الرقمية في إدارة البيانات والخدمات.
تجربة في المركز القومي للبحوث
وكانت تجربة المركز القومي للبحوث في السودان إحدى المحطات المهمة في مسيرته المهنية، حيث عمل مهندس برمجيات في مجال التحول الرقمي، وشارك في تطوير البيئة التقنية للمؤسسة.
ومن أبرز الأعمال التي ارتبطت بهذه المرحلة تطوير وإدارة مستودع رقمي مؤسسي باستخدام نظام DSpace، بهدف تنظيم الإنتاج العلمي والمساعدة في جمع وحفظ المنشورات والأبحاث العلمية بصورة رقمية، إلى جانب العمل على منصة رقمية موحدة للتعريف بمعاهد المركز وأنشطته ومخرجاته العلمية.
وبالنسبة للمؤسسات البحثية، لا تقتصر أهمية مثل هذه الأنظمة على التخلص من الملفات الورقية، وإنما تمتد إلى المحافظة على المعرفة العلمية وتنظيمها وتسهيل الوصول إليها والاستفادة منها في المستقبل.
وخلال الفترة نفسها، كان التدريب ونقل المعرفة جزءًا من تجربته؛ إذ قدم برامج تدريبية تقنية لثلاث مجموعات من الخريجين الجدد، شملت مهارات الحاسوب وتصميم المواقع وإدارة الأنظمة، إلى جانب ورش للباحثين والعاملين حول استخدام المنصات الرقمية وأنظمة إدارة التعلم وتقنيات الاجتماعات والاتصال عن بُعد في بيئة البحث والعمل.
محطة مهنية في سلطنة عُمان
انتقل حيدر لاحقًا إلى سلطنة عُمان، حيث اتسعت تجربته المهنية لتشمل العمل في مجالات تقنية وإدارية وتجارية متعددة.
وخلال تلك المرحلة عمل في إدارة تقنية المعلومات وتطوير الحلول البرمجية والتحول الرقمي، كما تعامل مع بيئات عمل مرتبطة بقطاعات الهندسة والطاقة والخدمات، وهو ما أتاح له الجمع بين فهم المتطلبات التشغيلية للمؤسسات وبين بناء الحلول التقنية المناسبة لها.
وتشير خبرته المهنية في عُمان إلى عمله في إدارة البنية التحتية لتقنية المعلومات والمنصات الرقمية، وسياسات أمن المعلومات، وإدارة الصلاحيات، إلى جانب التدريب التقني والتعامل مع احتياجات الأجهزة والبرمجيات والعمليات المؤسسية.
كما عمل مستشارًا في هندسة البرمجيات والحلول التقنية مع شركة استشارات تقنية أسترالية، في دور شمل تحويل احتياجات العملاء إلى تصاميم وحلول برمجية، واختبار الأنظمة وتكاملها، ودعم البنية التحتية وتدريب فرق العملاء على استخدام الأنظمة التي يتم نشرها.
ومن التجارب البارزة التي ارتبطت بهذه المرحلة أيضًا مشاركته في الجانب التقني لأحد المشروعات المرتبطة بانتخابات مجلس الشورى في سلطنة عُمان عام 2023، وهي تجربة أضافت إلى مسيرته بعدًا مرتبطًا بالأنظمة الرقمية واسعة النطاق.
وتكتسب مثل هذه المشروعات أهمية خاصة لما تتطلبه من اهتمام باستقرار الأنظمة وأمن المعلومات ودقة إدارة البيانات والقدرة على التعامل مع عدد كبير من العمليات والمستخدمين خلال فترات زمنية محددة.
بين التكنولوجيا والأعمال
لم تكن تجربة حيدر محصورة في البرمجيات وحدها، فقد جمع خلال وجوده في سلطنة عُمان بين العمل التقني والعمل الإداري والتجاري.
وفي عام 2023، شارك ضمن نشاط ووفد تجاري واستثماري بين سلطنة عُمان والولايات المتحدة الأمريكية، في تجربة أتاحت له الاطلاع عن قرب على جانب آخر من العلاقة بين التكنولوجيا وبيئة الأعمال والاستثمار والتعاون الدولي.
وكانت تلك التجربة امتدادًا لطبيعة مسار مهني لم يبقَ داخل حدود البرمجة التقليدية، وإنما اتجه تدريجيًا نحو فهم العلاقة بين التكنولوجيا واحتياجات المؤسسات والأسواق والقطاعات المختلفة.
من الخبرة العملية إلى الذكاء الاصطناعي
ومع تراكم الخبرة المهنية، اتجه حيدر بصورة أكبر نحو الدراسات العليا والذكاء الاصطناعي.
وحصل على درجة الماجستير في هندسة البرمجيات مع التركيز على هندسة الذكاء الاصطناعي من Western Governors University في الولايات المتحدة، بعد دراسته الجامعية في هندسة البرمجيات.
وامتد اهتمامه الأكاديمي كذلك إلى مجال الطب الرقمي، حيث تناولت دراسته موضوعات تقع عند تقاطع التكنولوجيا والرعاية الصحية، من بينها الطب عن بُعد والسجلات الصحية الإلكترونية والذكاء الاصطناعي وتقنيات الصحة عبر الأجهزة المحمولة، وتأثير هذه الأدوات في التواصل والثقة والتفاعل بين الطبيب والمريض.
ويعكس هذا الاتجاه انتقالًا طبيعيًا من التعامل مع البرمجيات بوصفها أدوات لبناء الأنظمة، إلى الاهتمام بسؤال أوسع: كيف يمكن للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أن يساهما في حل مشكلات حقيقية، دون إغفال الإنسان الذي يستخدم هذه الأنظمة ويتأثر بها؟
العمل التطوعي.. وجه آخر للتجربة
وعلى الرغم من أن الجزء الأكبر من مسيرته ارتبط بالتكنولوجيا، ظل العمل المجتمعي ونقل المعرفة حاضرين بأشكال مختلفة.
وبعد انتقاله إلى كندا، بدأ حيدر في يوليو 2024 العمل بصورة تطوعية مع Edmonton Immigrant Services Association (EISA) في إدمونتون، في مجال الترجمة المجتمعية وخدمات الاستقرار للقادمين الجدد.
ومن خلال هذا الدور، يقدم بصورة تطوعية خدمات الترجمة الشفوية وترجمة المستندات والمساعدة في التواصل، ويساهم في مساعدة المهاجرين والقادمين الجدد على الوصول إلى الخدمات الاجتماعية والتعليمية والمجتمعية المتاحة لهم، بالتعاون مع العاملين في مجال خدمات الاستقرار والاندماج.
وهنا يظهر جانب مختلف من الرحلة؛ فبعد سنوات من التعامل مع البرمجيات والأنظمة وقواعد البيانات والبنية التقنية، أصبح جزء من نشاطه مرتبطًا بصورة مباشرة بمساعدة أشخاص يبدؤون حياة جديدة في مجتمع جديد، وقد تكون اللغة أو صعوبة فهم الأنظمة والخدمات إحدى العقبات الأولى التي تواجههم.
وهي تجربة تعيد التكنولوجيا والعمل المهني إلى غايتهما الأوسع: خدمة الإنسان وتسهيل حياته.
رحلة مستمرة بين التقنية والإنسان
لا يمكن اختصار تجربة المهندس حيدر إبراهيم أحمد بخيت في مسمى وظيفي واحد. فقد عمل في هندسة البرمجيات والتحول الرقمي وإدارة تقنية المعلومات والتدريب، وخاض تجارب في الأعمال والاستشارات التقنية، ثم توسع أكاديميًا نحو هندسة الذكاء الاصطناعي والطب الرقمي، بالتوازي مع نشاط تطوعي في المجتمع الكندي.
ورغم اختلاف البلدان والمؤسسات والمشروعات، يبدو أن هناك خيطًا مشتركًا يربط هذه المراحل: محاولة تحويل المعرفة التقنية إلى شيء يمكن استخدامه عمليًا، سواء كان نظامًا رقميًا، أو منصة لحفظ المعرفة العلمية، أو تدريبًا ينقل الخبرة إلى آخرين، أو مساعدة تطوعية لشخص يحتاج إلى تجاوز حاجز اللغة والوصول إلى الخدمة المناسبة.
ومع استمرار التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، يواصل حيدر اهتمامه بالبحث والتطوير في هذا المجال، واضعًا أمامه مرحلة أكاديمية جديدة تسعى إلى الجمع بين الخبرة التي اكتسبها في هندسة البرمجيات والتحول الرقمي وبين البحث المتقدم في الذكاء الاصطناعي.
فبالنسبة إليه، لا تبدو الرحلة انتقالًا من مجال إلى آخر بقدر ما هي امتداد لفكرة واحدة بدأت مع البرمجيات، وتوسعت مع التحول الرقمي، ثم وصلت إلى الذكاء الاصطناعي والعمل المجتمعي: أن تكون التكنولوجيا وسيلة لصناعة حلول حقيقية، وأن تظل قيمة المعرفة مرتبطة بما يمكن أن تضيفه للإنسان والمجتمع.