أسعار الأدوية تحلّق ونقص ينخر السوق المصري… المرضى بين نار الغلاء وندرة الدواء
أسعار الأدوية تحلّق ونقص ينخر السوق المصري… المرضى بين نار الغلاء وندرة الدواء
دعاء همام
يتصاعد القلق في مصر من أزمة أدوية متجددة، تجمع بين ارتفاع كبير في الأسعار ونقص مستمرّ في الأصناف الأساسية والمنقذة للحياة، الأمر الذي يضع آلاف المرضى، خصوصًا أصحاب الأمراض المزمنة، أمام معضلة: إما تحمل الأعباء المالية المرتفعة، أو التأقلم مع بدائل قد تكون أقل جودة أو غير متوفّرة. تأتي هذه الأزمة في ظل ضغوط اقتصادية شديدة، وتحديات تتعلق بتأمين الدولار، وتوفير المواد الخام، بالإضافة إلى آليات الرقابة والتوزيع.
حجم سوق الدواء المصري:
وزير الصحة صرّح أن حجم سوق الدواء في مصر يبلغ نحو 300 مليار جنيه مصري سنويًا.
قطاع الأدوية يحتوي على أكثر من 130 مصنعًا محليًا، ويغطي نحو 91% من استهلاك الدواء في الداخل.
كذلك، تقرير من مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار في مجلس الوزراء توقع أن تنمو مبيعات الأدوية إلى حوالي 5.7 مليار دولار خلال عام 2025.
نسبة الأدوية المستوردة:
في عام 2023، شكلت الأدوية المستوردة حوالي 5.56% من عدد الوحدات المباعة، لكن قيمتها المالية تمثّلت حوالي 28.3% من حجم المبيعات الكلي.
نقص الأصناف:
الهيئة المصرية للدواء رصدت نقصًا في أكثر من 81 صنفًا دوائيًا في السوق، مع شكاوى من المواطنين من عدم توافر نحو ألف صنف آخر.
رئيس شعبة الأدوية أشار إلى أن النقص وصل إلى أكثر من 1000 مستحضر في أحد الفترات، وإن تراجعت الحالات مؤخرًا لتكون حوالي 500 صنف ناقص في الصيدليات.
أيضًا صيدليات ومحلات تداول أبلغت أن هناك حوالي 200-300 مستحضر ناقص من الأدوية الأكثر تداولًا.
ارتفاع الأسعار والضغوط المالية:
بعد تحرير سعر صرف الجنيه المصري، وافقت هيئة الدواء على زيادة أسعار مئات الأدوية، ما رفع المتوسط الشهري لمبيعات الأدوية إلى حوالي 20 مليار جنيه شهريًّا.
وزير الصحة أكد أن أسعار الأدوية ارتفعت بنسب تتراوح بين 28% إلى 35% لبعض الأصناف، وأن هذا الرفع كان ضروريًا لاستمرار الإنتاج.
خطوات الدولة والتمويل:
الحكومة أعلنت تخصيص 7 مليارات جنيه لتوفير النواقص من الأدوية والمستلزمات الطبية المطلوبة للصيدليات والمستشفيات.
كذلك، وزارة المالية صرّحت بأنها ستصرف حوالي 7.4 مليار جنيه نقدًا من مستحقات شركات الأدوية، بالإضافة إلى تسهيلات ائتمانية بقيمة 14.7 مليار جنيه لدعم سلاسل التوريد.
كما أُقيمت عدة اجتماعات وزارية لمتابعة ملف نواقص الأدوية، مع حضور الجهات المعنية من الصحة والدواء والشراء الموحد وغيرها.
تحليل الأزمة
العلاقة بين الدولار والأسعار:
نقص الدولار أثر بشكل مباشر على استيراد المواد الخام التي لا تُنتج محليًا، مما رفع تكاليف الإنتاج وزاد الضغوط على الشركات تصنيعيًا وماليًا.
اعتماد محلي مقابل استيراد:
رغم أن غالبية وحدات الأدوية تُنتَج محليًا، فإن عددًا من الأصناف الحساسة مثل أدوية الأورام تحتاج للاستيراد أو استيراد مواد خام ذات تخصص. زيادة الاعتماد المحلي هي استراتيجية معلنة، لكنها تواجه تحديات فنية وتنظيمية.
التوزيع والرقابة:
النقص لا يكون دائمًا بسبب الإنتاج فقط، بل أيضًا التوزيع غير المتوازن أو تأخر الإفراج عن الأدوية في الموانئ بسبب ضعف السيولة أو نقص الدولار. كذلك هناك مطالب برلمانية وتصويت طلبات إحاطة لسرعة تطبيق تسعير عادل وضبط السوق.
الأثر على المرضى:
أصحاب الأمراض المزمنة كالسرطان، القلب، الكلى، والمتطلبات الطبية المكملة هم الأكثر تضررًا، حيث أن بدائلهم ليست دائمًا متاحة، والأسعار المرتفعة تضغط بشدة على دخلهم.
التوصيات المقترحة
1. تسريع صرف مستحقات شركات الأدوية لتخفيف الضغط المالي عليهم، وضمان استمرار الإنتاج.
2. زيادة التمويل الموجه للقطاع الدوائي المحلي عبر التسهيلات والإعفاءات الضريبية وتحفيز إنتاج البدائل المحلية للأدوية المستوردة الاستراتيجية.
3. تعزيز الرقابة والتوزيع العادل لضمان أن الأدوية تصل إلى الصيدليات والمستشفيات في جميع المحافظات دون تأخير.
4. تطبيق تسعير عادل وشفّاف — مراجعة دورية لأسعار أدوية استيراد المواد الخام والتغيرات في تكلفة الإنتاج.
5. ضمان توفر الدولار اللازم للمواد الخام، ربما عبر رصد مخصصات خاصة أو آليات استيراد مدعومة.
أزمة الأدوية في مصر اليوم ليست مجرد تحدٍّ مؤقت، بل انعكاس لضغوط اقتصادية هيكلية، وأسلوب تعامل يتطلب التنسيق بين الحكومي والخاص، بين الصناعة والمستهلك، بين السياسة والاقتصاد. المرضى اليوم لا ينتظرون وعودًا بل حلولًا سريعة وفعالة تُوفّر لهم دواءهم بدون مخاطرة صحية أو مالية. إن لم تتخذ الإجراءات المناسبة بقوة وسرعة، فقد تتفاقم الأزمة إلى وضع صحي عام يُصعب السيطرة عليه.
التعليقات مغلقة.