دعاء همام تكتب: حين تتحول السوشيال ميديا إلى خطر صامت
دعاء همام تكتب: حين تتحول السوشيال ميديا إلى خطر صامت
لم تعد السوشيال ميديا مجرد وسيلة للتواصل أو منصة للتعبير عن الرأي، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى خطر صامت يتسلل إلى العقول دون ضجيج، ويعيد تشكيل الوعي الجمعي بعيدًا عن الحقيقة والمنطق. خطر لا يطرق الأبواب، بل يدخل بهدوء عبر شاشة صغيرة، ليؤثر في الفكر والسلوك والقرار.
المشكلة الحقيقية لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في سوء استخدامها، وفي غياب الوعي عند التلقي والنشر. فبين منشور مجهول المصدر، وفيديو مجتزأ، وعنوان مثير بلا مضمون، تُصنع قناعات زائفة، وتُدار معارك وهمية، ويُختطف الرأي العام دون أن يشعر.
الأخطر أن السوشيال ميديا أصبحت ساحة مفتوحة للشائعات، وترويج الأكاذيب، وبث الإحباط، وتشويه الرموز، وضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته. ومع تكرار المحتوى المضلل، يتحول الكذب إلى أمر مألوف، وتصبح الشائعة أقوى من الحقيقة، خاصة في ظل غياب التفكير النقدي وسرعة التفاعل غير الواعي.
لقد أثبتت التجربة أن أخطر الحروب الحديثة ليست تلك التي تُدار بالسلاح، بل تلك التي تُدار بالعقول. والسوشيال ميديا أصبحت أحد أخطر أدوات هذه الحروب، حيث تُستخدم لتوجيه الرأي العام، وإثارة الفتن، واستغلال الأزمات، وضرب الاستقرار من الداخل، دون طلقة واحدة.
كما أن الاستخدام المفرط لمنصات التواصل الاجتماعي خلق حالة من العزلة الاجتماعية، وأضعف الروابط الأسرية، وساهم في انتشار العنف اللفظي والتنمر الإلكتروني، خاصة بين الشباب والأطفال، الذين أصبحوا الفئة الأكثر عرضة للتأثر بما يُنشر دون رقابة أو وعي.
إن الصمت أمام هذا الخطر لا يقل خطورة عن صناعته. فالمسؤولية لا تقع فقط على الدولة أو المؤسسات، بل تبدأ من الفرد نفسه: ماذا نقرأ؟ ماذا نصدق؟ وماذا نعيد نشره؟ فكل مشاركة غير مدروسة قد تكون حلقة في سلسلة تضليل أكبر.
نحن بحاجة إلى وعي رقمي حقيقي، وإلى ثقافة إعلامية تُعلِّم الناس كيف يميزون بين المعلومة والرأي، بين الحقيقة والتضليل، وبين النقد البناء والهدم المتعمد. فحرية التعبير لا تعني الفوضى، والانفتاح الرقمي لا يبرر غياب المسؤولية.
وفي النهاية، تبقى السوشيال ميديا أداة… إما أن نستخدمها لبناء الوعي، أو نتركها تتحول إلى خطر صامت يهدد استقرار المجتمع ويُفرغ العقول من قدرتها على التفكير. فالوعي هو الحل، والصمت لم يعد خيارًا.
التعليقات مغلقة.