كتب عمرو محمد
يظل الأزهر الشريف مَعينًا لا ينضب للعلماء الذين يحملون على عاتقهم أمانة الكلمة ومسؤولية التنوير. ومن بين هؤلاء العلماء، يبرز اسم الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، كأحد أكثر الشخصيات الأزهرية قدرة على الاشتباك مع قضايا العصر، مستنداً إلى خلفية علمية رصينة ومنهجاً يدعو إلى إعمال العقل.
لم يكن الشيخ خالد الجندي يوماً بعيداً عن أروقة الأزهر؛ فقد تشرب منهجه الوسطي منذ صغره. تخرج في كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، وتخصص في الدعوة والثقافة الإسلامية. هذا التكوين الأكاديمي هو “الحصن” الذي ينطلق منه الجندي في فتاواه؛ فهو لا يتحدث من فراغ، بل من دراسة متعمقة في أصول الفقه، والتفسير، واللغة العربية، مما يجعل طروحاته -وإن بدت جريئة- مستندة إلى قواعد شرعية أصلية.
يؤمن الشيخ خالد الجندي بأن الخطاب الديني يجب أن يكون “كائناً حياً” يتنفس هواء العصر، ولا يعيش في جلباب الماضي فقط. وتتلخص فلسفته في عدة نقاط:
تحرير العقل المسلم: يدعو الجندي دائماً إلى التخلص من “الموروثات الشعبية” التي التصقت بالدين وليست منه، مطالباً بالعودة إلى جوهر النص القرآني.
اللغة البيضاء: استطاع الجندي أن يكسر الحاجز بين العالم والمتلقي من خلال “اللغة البيضاء” التي تجمع بين فصاحة الأزهري وبساطة رجل الشارع، مما جعل برامجه مثل “لعلهم يفقهون” تحقق نسب مشاهدة عالية.
مواجهة التشدد: اتخذ الجندي موقفاً حازماً ضد التيارات المتطرفة، معتبراً أن “التنطع” في الدين هو العدو الأول للإسلام، ومن هنا جاء تركيزه على إظهار الجانب الحضاري والجمالي للدين.
باعتباره عالماً أزهرياً مجدداً، لم يخلُ طريقه من العقبات. فقد خاض معارك فكرية كبرى حول قضايا شائكة مثل:
قضايا المرأة: دفاعه المستمر عن حقوق المرأة وإنصافها فقهياً بما يتناسب مع كرامتها الإنسانية.
الطلاق الشفوي: دعوته لتقنين الطلاق لحماية الأسر، وهي القضية التي أثارت نقاشاً وطنياً واسعاً.
تجديد التراث: مطالبته المستمرة بغربلة كتب التراث واستبعاد ما لا يتناسب مع واقعنا الحالي، مؤكداً أن “قدسية النص لا تعني قدسية الشرح”.
إن الشيخ خالد الجندي يمثل نموذجاً للعالم الأزهري الذي لا يكتفي بالوعظ التقليدي، بل يسعى ليكون فاعلاً في مجتمعه، محركاً للمياه الراكدة، ومدافعاً عن وسطية الإسلام. ورغم اختلاف البعض مع جرأته، إلا أنه يبقى رقماً مهماً في مسيرة تجديد الخطاب الديني التي ينشدها العالم الإسلامي اليوم.
التعليقات مغلقة.