تنص المادة 44/3 من مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين على أنه:
«يُعتبر في حكم الزنا كل عمل يدل على الخيانة الزوجية، كالحالات الآتية: … تحريض أحد الزوجين الآخر على ارتكاب الزنا أو الفجور أو تعريضه لذلك».
ويكشف هذا النص عن خطأ واضح في التكييف القانوني، نتيجة الخلط بين مفهوم الزنا الحكمي وبين صور سوء السلوك أو الاشتراك المعنوي في الفعل.
أولًا: التعريف الصحيح للزنا الحكمي
سبق أن أوضحنا أن التعريف الدقيق للزنا الحكمي هو:
«كل فعل ينبئ بذاته عن وقوع الزنا».
أي أن الواقعة يجب أن تكون:
كاشفة بذاتها عن تحقق العلاقة غير المشروعة،
وتحمل في مضمونها دلالة مباشرة على وقوع الزنا،
دون حاجة إلى افتراضات أو استنتاجات خارجية.
أما مجرد التصرفات التي تدل على:
سوء السلوك،
أو الانحراف الأخلاقي،
أو الخيانة الزوجية بمعناها الواسع،
فلا يكفي وحده لاعتبار الواقعة زنا حكميًا.
ومن ثم، فإن التوسع في مفهوم الزنا الحكمي ليشمل كل صور السلوك المنحرف يؤدي إلى إهدار الفارق القانوني بين:
الزنا،
والخيانة الزوجية،
وسوء السلوك.
ثانيًا: التحريض على الفجور لا يُعد زنا حكميًا
التحريض أو التعريض على الفجور لا يُعتبر زنا حكميًا، سواء وقع الفجور أم لم يقع.
وذلك لأن هذا السلوك:
لا يكشف بذاته عن تحقق الزنا،
ولا ينبئ وحده عن وقوع علاقة جنسية غير مشروعة،
وإنما يظل مجرد سلوك منحرف أو صورة من صور سوء السلوك.
فالتحريض هنا لا يعدو أن يكون:
تشجيعًا،
أو دفعًا،
أو تمهيدًا لفعل محتمل،
لكنه لا يرقى بذاته إلى مرتبة الدليل أو القرينة القانونية على وقوع الزنا.
ثالثًا: التحريض على الزنا ليس زنا حكميًا
كذلك فإن التحريض أو التعريض على الزنا لا يُعتبر في ذاته زنا حكميًا.
فالتحريض لا يكشف عن وقوع الفعل، وإنما يمثل مجرد مساهمة معنوية أو سلوك تمهيدي سابق على الجريمة.
فإذا توقف الأمر عند مجرد:
التحريض،
أو التعريض،
أو التشجيع،
انتفى وصف الزنا الحكمي، لعدم وجود فعل ينبئ بذاته عن وقوع الزنا.
ومن ثم، فإن النص خلط بين:
الفعل ذاته،
وبين وسائل الاشتراك أو المساهمة فيه.
رابعًا: إذا وقع الزنا بالفعل قامت حالة الخطأ المشترك
أما إذا وقع الزنا بالفعل نتيجة هذا التحريض، فإن التكييف القانوني الصحيح لا يكون «زنا حكميًا»، وإنما قيام خطأ مشترك بين الطرفين.
ذلك أن من ساهم بإرادته في وقوع الفعل:
لا يجوز له أن يستند إلى هذا الفعل للمطالبة بالتطليق،
لأنه يكون شريكًا في الخطأ الذي يحتج به.
وهو ما يتفق مع القاعدة العامة المستقرة: «لا يجوز للإنسان أن يتخذ من خطئه سببًا لاكتساب حق».
ومن ثم، فإذا حرّض أحد الزوجين الآخر على الزنا ثم وقع الفعل، فإن الواقعة تتحول إلى صورة من صور الاشتراك أو الرضا أو المساهمة المعنوية، بما يمنع الاستناد إليها كسبب مستقل للتطليق.
خامسًا: التكييف الجنائي يؤكد خطأ النص
ويؤكد القانون الجنائي ذاته هذا المعنى؛ إذ لا يُعاقب على التحريض باعتباره جريمة مستقلة إلا إذا وقع الفعل المحرَّض عليه.
وعند وقوع الجريمة:
يُعتبر المحرِّض شريكًا فيها،
لا مرتكبًا للفعل الأصلي ذاته.
ومن ثم، فإن التحريض في حد ذاته:
ليس زنا،
ولا دليلًا على وقوع الزنا،
وإنما صورة من صور الاشتراك المعنوي أو السلوك التمهيدي.
وهو ما يكشف بوضوح عن خطأ إدراج التحريض ضمن حالات الزنا الحكمي.
سادسًا: الخلط بين الزنا الحكمي وسوء السلوك
إن إدراج:
التحريض على الزنا،
أو التعريض للفجور،
ضمن حالات الزنا الحكمي يمثل توسعًا غير منضبط في مفهوم الزنا، وخلطًا بين:
الزنا الحقيقي أو الحكمي،
وبين سوء السلوك والانحراف الأخلاقي.
فالزنا الحكمي يجب أن يقوم على وقائع:
ثابتة الدلالة،
تنبئ بذاتها عن وقوع الزنا،
لا على مجرد تصرفات قد تُفسر بوصفها انحرافًا أو سوء سلوك.
ومن ثم، فإن النص بصورته الحالية قد يؤدي إلى:
اضطراب التطبيق القضائي،
وتباين الأحكام،
وإهدار الفوارق الدقيقة بين الزنا والخيانة الزوجية وسوء السلوك.
الخاتمة
إن مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، في هذا الموضع، خلط بين:
الزنا الحكمي باعتباره قرينة قانونية على وقوع الزنا،
وبين صور الاشتراك المعنوي أو سوء السلوك.
فالتحريض أو التعريض ـ مهما بلغت جسامته الأخلاقية ـ لا يكفي وحده لاعتباره زنا حكميًا، لأنه لا ينبئ بذاته عن وقوع الفعل.
أما إذا وقع الزنا بالفعل نتيجة هذا التحريض، فإن الواقعة تتحول إلى صورة من صور الخطأ المشترك، بما يمنع الاستناد إليها كسبب مستقل للتطليق.
ومن ثم، فإن إعادة ضبط مفهوم الزنا الحكمي تقتضي قصره على الأفعال التي تكشف بذاتها عن وقوع الزنا، دون التوسع فيه ليشمل صور السلوك أو التحريض أو المساهمة المعنوية.