موقع اخباري شامل صادر عن مؤسسة تحيا مصر

حين تعجز السماعة.. ينتصر العدل بقلم: ياسر عامر

0

بقلم: ياسر عامر

 

في اللحظة التي يضع فيها طالبٌ سماعةً لا تكاد تُرى، معتقدًا أنه امتلك مفتاح النجاح، تبدأ معركة صامتة داخل لجنة الامتحان. معركة لا تُسمع فيها أصوات، ولا تُرى فيها أسلحة، لكنها تُحسم بين محاولات التحايل وتقنيات حديثة جاءت لحماية مبدأ أسمى: العدالة.

 

لم يعد الغش في عصر التكنولوجيا مجرد ورقة مخبأة أو قصاصة صغيرة، بل تطورت أدواته لتشمل سماعات دقيقة، وأجهزة اتصال خفية، ووسائل إلكترونية قادرة على نقل المعلومات من خارج قاعات الامتحان. وفي مواجهة هذا التطور، كان لابد أن يتطور الرد، فأصبحت التكنولوجيا نفسها وسيلة لحماية النزاهة وضمان تكافؤ الفرص.

 

لكن مواجهة الغش ليست فقط معركة بين جهاز وتقنية، أو بين موجة إلكترونية وإشارة لاسلكية، بل هي في جوهرها معركة أعمق بين الأمانة والخداع، بين من يختار طريق الاجتهاد، ومن يحاول الوصول إلى النجاح عبر اختصار غير مشروع يضر به وبغيره.

 

وقد اتفقت الرسالات السماوية على أن الأمانة والصدق أساس بناء الإنسان والمجتمع. يقول الله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ (النساء: 58)، وهي قاعدة تؤكد أن الحقوق لا تُنال بالحيلة، وأن النجاح الحقيقي لا يُبنى على خداع الآخرين.

 

وقال رسول الله ﷺ:

“من غشنا فليس منا”، في تأكيد واضح على أن الغش ليس مجرد مخالفة عابرة، بل سلوك يهدم قيمة العدل ويؤثر في ثقة المجتمع.

 

وفي الكتاب المقدس جاءت دعوة واضحة إلى الصدق والاستقامة، فقد ورد في سفر الأمثال:

“اَلشِّفَاهُ الْكَاذِبَةُ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ الرَّبِّ، أَمَّا الْعَامِلُونَ بِالصِّدْقِ فَهُمْ رِضَاهُ.”

وهي قيمة إنسانية تؤكد أن النزاهة والصدق مبدآن راسخان في حياة البشر، وأن الاستقامة ليست مرتبطة بزمن أو مكان.

 

كما جاءت في تعاليم التوراة تأكيدات على مكانة العدل ورفض الظلم والكذب، بما يعكس حقيقة مشتركة بين الأديان: أن الإنسان مسؤول عن أفعاله، وأن الأمانة هي أساس استقرار المجتمعات.

 

ومن هنا تأتي أهمية الوسائل التقنية الحديثة المستخدمة لمواجهة الغش الإلكتروني، فهي لا تستهدف الطلاب، وإنما تحمي حقوقهم. فهي تحمي الطالب الذي بذل عامًا كاملًا في الدراسة، وتمنع أن يتساوى من اجتهد وتعب مع من حاول الحصول على نتيجة لا تعبر عن مستواه الحقيقي.

 

وتعتمد بعض هذه التقنيات على التعامل مع الإشارات اللاسلكية والموجات الكهرومغناطيسية وفق ضوابط محددة، بهدف الحد من استخدام وسائل الاتصال غير المسموح بها داخل لجان الامتحانات، إلى جانب أنظمة الرصد والكشف التي تساعد الجهات المختصة على حماية العملية التعليمية.

 

فالامتحان ليس اختبارًا للذاكرة فقط، بل اختبارٌ للقيم أيضًا. فالدرجة التي يحصل عليها الطالب بالغش قد تمنحه لحظة فرح مؤقتة، لكنها لا تمنحه علمًا حقيقيًا ولا تبني له مستقبلًا ثابتًا. أما النجاح الذي يأتي من الجهد والصبر، فهو الذي يمنح الإنسان الثقة والقدرة على مواجهة الحياة.

 

قد تستطيع التكنولوجيا أن تُسكت سماعة، لكنها لا تستطيع أن تزرع علمًا في عقل لم يجتهد، ولا أن تصنع مستقبلًا لمن اعتاد الطريق المختصر. فالمستقبل لا يُبنى بإشارة خفية، ولا يُحمل داخل أذن، بل يُصنع بالعلم والعمل والضمير.

 

وفي النهاية، حين تعجز السماعة… ينتصر العدل، لأن الحق لا يحتاج إلى صوت خفي، والعلم لا يحتاج إلى وسيلة غش، والنجاح الحقيقي لا يُصنع إلا بالاستحقاق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.