- كتبت / ابتسام مصطفى
هناك لحظة يصبح فيها فتح الباب استنزافًا والصبر استسلامًا والكرم فاتورة يدفعها صاحب البيت من خبزه و أمنه و مستقبل أبنائه .
ومصر وصلت إلى لحظة يجب أن تسأل فيها بلا خوف ولا مجاملة:
متى ينتهي واجب الضيافة و يبدأ حق الوطن ؟
مصر لم تكن يومًا دولة تطرد الملهوف من بابها و لا يجوز أن تتحول معاناة الإنسان إلى سبب لإهانته أو انتهاك حقوقه.
ولكن اللجوء ليس امتلاكًا للأرض والإقامة ليست تفويضا مفتوحا والضيافة لا تعني أن يتنازل صاحب البيت عن حقه في بيته
ومن هنا يجب أن تكون القاعدة واضحة بلا التواء :
أهل البلد أولى بموارد بلدهم
ففي المستشفى ، يجب ألا يتحول المواطن المصري إلى رقم ينتظر في آخر الصف بينما تتسع قوائم الأولويات لغيره ..
وفي التعليم، يجب أن تظل قدرة الدولة على توفير تعليم مناسب لأبنائها هي نقطة الانطلاق . لا أن يطلب من المدارس و الجامعات المصرية أن تتحمل ما يفوق طاقتها بلا تخطيط أو تمويل واضح
وفي الغذاء، لا يمكن أن نتجاهل أن كل ضغط إضافي على السلع والموارد ينعكس بالسلب في النهاية على الأسرة المصرية التي تدفع من دخلها المحدود لتواجهه تلك الاعداد المهولة جائعه البطون
وفي السكن والعمل والخدمات ، يجب أن تكون هناك حسابات دقيقة حتى لا يتحول التعاطف الإنساني إلى ضغط اجتماعي واقتصادي يتحمله المواطن وحده
الإنسانية لا تعني أن يجوع صاحب البيت كي يشبع ضيفه و لا أن يمرض المواطن كي يحصل غيره على العلاج و لا أن يخرج ابن البلد من طابور التعليم كي يتسع المكان لغيره
هذه ليست دعوة إلى رفض او طرد اللاجئ ، و إنما دعوة إلى وضع الأمور في نصابها
فاللاجئ إنسان له كرامته ، والمواطن إنسان له حقوقه ، والدولة مسؤوليتها الأولى أن تضمن ألا يتحول دعم أحدهما إلى إهدار حقوق الآخر
فمن يحتمي بسقف لا يقتلع أعمدته و من يشرب من بئر لا يلوث ماءه و من يأكل من مائدة لا يقلبها فوق رأس أصحابها
كل ضغط إضافي على الدولة له ثمن ، وكل ثمن له في النهاية فاتورة تصل إلى المواطن المصري وحده .
وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة:
لماذا يجب أن يتراجع المواطن في طابور الخدمة داخل بلده حتى يتقدم غيره؟
لماذا يطلب منا أن نتحمل ارتفاع التكلفة وضغط السكن وزحام المدارس والمستشفيات والسلع، ثم يقال لنا : اصبر
الإنسانية التي تسحق صاحب الأرض تتحول إلى ظلم باسم الرحمة.
والدولة التي تستضيف أعدادًا كبيرة من اللاجئين لا يجوز أن تتحمل العبء وحدها. يجب أن يكون هناك تمويل دولي حقيقي، وتقاسم عادل للأعباء ، وقواعد واضحة للإقامة، وتسجيل دقيق ، وتنظيم لسوق العمل ، وحلول دائمة للعودة الآمنة والطوعية
أما أن تتحول مصر إلى صندوق مفتوح تلقى فيه أزمات المنطقة ثم يترك المواطن وحده أمام فاتورة السكن والغذاء والتعليم والصحة والخدمات فهذه ليست عدالة دولية و لا انسانية
مصر ليست فندقا للعالم ، وليست صندوقا أسود لأزمات المنطقة وليست حائط يعلق عليه المجتمع الدولي مشكلاته ثم يمضي
مصر وطن والوطن له حدود وله موارد و له هوية وله مواطنون يجب ألا يصبحوا الطرف المنسي في أي معادلة إنسانية
نحن لا نرفض الإنسان بل نرفض أن تتحول الضيافة إلى استنزاف ، والتسامح إلى استباحة ، والاحتواء إلى إقامة بلا نهاية والمرافق المصرية إلى فاتورة يدفعها المصري وحده
فالبيت الكريم يفتح بابه للضيف ويطعمه ويحميه ويحفظ كرامته و لكن الضيف أيضًا ملزم أن يحترم البيت وأهله وقواعده وحدوده
وحين تصبح كلفة الضيافة أكبر من قدرة صاحب البيت يصبح من حقه أن يقول بكل وضوح :
كفى استنزافًا
فالكرم فضيلة ولكنه ليس انتحارًا
والرحمة إنسانية لكنها لا تعني أن يُظلم أهل البيت باسمها.